الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٦٦٣الأباضية في موكب التاريخ
661
الأباضية في تونس
ولَمَّا وصل الأسبان، وكان أسطولهم هذه المرة هزيلا ضعيفا ذليلا، إذ لا يبلغ عشرين سفينة، بينما كان في الحملة الماضية يتجاوز المائة. وقف مترددا يراجع حساباته، ويصحح تقديراته، ولما رآه المسلمون فرحوا به واستبشروا، وعزموا أن يحيوه بصفعة على خده الأيسر، بعد أن كادت آثار أصابعهم تزول عن خده الأيمن، ولكن عزمهم هذا لم يتحقق، فإن الأسطول ما كاد يقترب من الساحل الصفاقسي، ويرى تلك الأعداد الهائلة من البشر تتحرك في خفة ورشاقة، وتنتظر وصوله في لهفة وشوق حتى امتلأ ذعرا، وملك الرعب عليه زمام أمره، فأطلقوا أشرعتهم للريح، وانطلقوا في عرض البحر يعرضون على الأسماك رشاقتهم في السباحة، وسرعتهم عند الهروب، وفوتوا على المُسلمين فرحة النصر، وثروة بالغنيمة، وسعادة بالشهادة، وأوحى لَهُم الجبن أن يظهروا بمظهر الشجاعة، ويتخذوا سمت القوي وهم يسبحون في عرض البحر. وَإِذَا مَا خَلَا الْجَبَانُ بِأَرْضِ طَلَبَ الطَّعْنَ وَحْدَهُ وَالنَّزَالاً فقصدوا جزيرة "قرقنة"، وكانت حينئذ خالية لا سكان، بها، فأنزلوا بها ألف جندي ليختبروا حالها، وليبنوا بها برجا كبرج القشتيل في جربة، حتى يكون مركزا لهم ينطلقون منه، وحصنا يأوون إليه ويحتمون به وكان المسلمون يتنسمون أخبارهم، ويتتبعون حركاتهم، فلما نزل القوم في جزيرة قرقنة تسلل إليها نحو ستمائة مقاتل من المُسلمين، وعندما جثم الليل على صدر الجزيرة، وخيم الظلام على الأرض، بعث أولئك المقاتلون الشجعان نفرا منهم يستطلعون أخبار هذا الجيش الصغير، فوصل أولئك النفر إلى محل الجند، وداخلوهم ومروا من بينهم فوجدوهم قد أمنوا على أنفسهم، وأسلموا أجسامهم للمضاجع، وأعينهم للنوم، فما كانوا يتوقعون مباغتة من عدو في هذه الجزيرة الخالية. رجع أولئك النفر إلى إخوانهم وأخبروهم بما رأوا ووجدوا، فأسرع المسلمون حتى دخلوا معرس الإفرنج دون أن أحد، ولم يستيقظ أولئك القوم إلا بعد أن كان المسلمون واقفين على رؤوسهم بالسلاح، يداعبون رقابهم بأسنة الرماح، وانتبه القوم مذعورين. أعتقد أن القارئ الكريم ليس في حاجة إلى أن أقول له أن تلك الكتيبة التي تتألف جندي، والتي ذهبت لترتاد مركزا للقرصنة في جزيرة قرقنة لم يعد منها أحد
يشعر بهم
من ألف
حتى الآن، وقد