الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٦٦٥

الأباضية في موكب التاريخ

663

الأباضية في تونس

المدربين المسلحين المجهزين بأحدث ما عرف الإنسان من آلات الحرب في ذلك الحين، و كان "الدوق منكادا" يعصر ذهنه، ويكد فكره ليرسم خطة سليمة للهجوم، يتلافى فيها الأخطار التي وقع فيها أسلافه، فيخسروا سمعتهم الحربية، وانطلق الأسطول حتى بلغ الجزيرة الصغيرة جزيرة جربة التي صارت صخرة صماء تتحطم عليها قوى البغي والعدوان وأنزل القائد كامل قواته المقاتلة حتى يضرب الضربة العنيفة القوية، وكان الهجوم مفاجئا، فلم يسمع أهل الجزيرة بالخبر إلا من قريب وبدأ الرجل زحفه، فأسرع إليه من بلغه الخبر من سكان الجزيرة.

إن السواعد التي صفعت دون بدر و نافارو و دون قراشيا الطليطلي"، و"دياجو دي فيرا" لا تزال موجودة وقوية وإن إشراقة الإيمان التي بعث أبو النجاة إشعاعها لا تزال تومض في قلوب الْمُؤمنين، وإن العيون التي كانت تنظر إلى عدد قليل من الناس العزل يطاردون بإيمانهم وصبرهم وثباتهم عشرين ألفا؛ مزودين بأحدث الأسلحة، إن هذه العيون لا تزال تلمح أشباح الأسبان؛ بين فار وقتيل، ومن ورائهم المسلمون يسوقونهم سوق الرعاة للأغنام إن تلك الصور الرائعة التي مضى عليها عشر سنوات فقط لم تسمح بعد من أذهان الناس.

ولذلك فما سمع الناس بهجوم الإفرنج على الجزيرة حتى تسارعوا إلى لقاء العدو في ميدان القتال، واشتبك الفريقان في معركة حامية .. غزاة يحملهم الجشع والطمع على القتال، يهاجمون حماة يذودون عن الدين والوطن والعرض مؤمنين بحقهم، وعدالة موقفهم في هذا الدفاع المجيد، واثقين في نصر الله، ولم يطل الصراع، فلقد كان القائد

الأسباني يدير المعركة وهو ينظر إلى صفوف جنوده تتهاوي صرعي، صفا بعد صف. إن أسلحته النارية كانت قليلة الجدوى، وكان ينظر إلى أولئك المُسلمين الذين يتسابقون إلى الموت وليس لديهم من الأسلحة الفتاكة شيء، وَإِنَّمَا يعتمدون على سيوف كليلة، وخناجر قصيرة، وعصي وما أشبه ذلك من السلاح البسيط، ولكنهم يملكون معها سواعد قوية لا تطيش ضرباتها وقلوبا ربط عليها الإيمان وأجسام خفيفة نشيطة