الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٦٦٧الأباضية في موكب التاريخ
665
الأباضية في تونس
التبعية الاسمية
سنة من
إن المتتبع لأحداث التاريخ في جربة حسبما تحدثنا عنه في الفصول السابقة يستطيع أن يسمي العهد الأول من تاريخها - وهو العهد الذي يمتد من سنة 47 إلى سنة 52 - بعهد الاستقلال، أما العهد الثاني من تاريخها -وهو العهد الذي يمتد 529 هـ إلى سنة 960 هـ. والذي أطلقنا عليه في بعض الفصول السابقة عهد الجهاد في سبيل الله، يُمكن أن يطلق عليه عهد التبعية الاسمية، إذا نظرنا إليه من جهة السياسة والحكم، وذلك أن جربة بعد أن استولى عليها الإفرنج سنة 529 هـ، ثُمَّ خرجوا منها سنة 555 هـ، بقيت تحت حكم خارج عنها، فقد بقيت تحكم حكم الموحدين إلى سنة 725 هـ، ثُمَّ انتقلت إلى حكم الحفصيين، وكثيرا ما يستبد بحكمها بعض الولاة لمدة، تعود إلى الدولة المركزية.
وفي هذه المدة الطويلة من تاريخها التي تمتد ما بين سنة 555 هـ إلى سنة 960 هـ، لم تكن جربة تهتم بأي دولة مسلمة تحكمها، أو أي وال يأتيها، فقد الألوان التي تتناوبها، وكانت تظهر الطاعة وتدفع الضرائب في هدوء، ولا
رضيت بجميع
تشترك في النزاعات التي تقوم بين الدول و الولاة الذين يتنازعون حكمها، وَإِنَّمَا كانت تنظر إليهم نظر الفريسة إلى السباع لا تبالي من سبق منها إلى الولوغ في دمها، فهي تقف من الجميع موقفا سلبيا كاملا، وَإِنَّمَا كل ما يهمها أن يكون الحاكم مسلما؛ سواء كان تابعا لإحدى الدول القائمة حينئذ، أو كان مستبدا لحسابه كما فعل ابن مكي وابن أبي العيون، وكانت طيلة هذه المدة مشغولة بكفاح متواصل للإفرنج، تدخر لملاقاتهم ما تعد من قوة، ذلك أن الإفرنج طيلة هذه المدة لم ينفكوا عن مهاجمتها، ومحاولة الاستيلاء عليها، فكانت تحصر همها في موضوع الجهاد، معرضة عن قضية الحكم وما فيه من فساد. ومن المؤسف أن أولئك الحكام الذين رضيت جربة بحكمهم على اختلاف اشكالهم، واستسلمت لَهُم، وكانت تدفع لَهُم الضرائب، كان لا يهمهم منها غير ذلك،