الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٦٦٨

الأباضية في موكب التاريخ

الأباضية في تونس

وعندما يهجم عليها الغزاة الصليبيون، يقف أولئك الحكام موقف المتفرج من بعيد، فإذا ردت العدو، أو اتخذت معه موقفا من المواقف رجع إليها أولئك الحكام وهي تنزف دما، ليلعقوا من تلك الدماء.

يقول الأستاذ المرزوقي في "مؤنس الأحبة" صفحة 103: "حيث وقع المساكين بين نارين، سيطرة النصارى المحتلين لأرضهم من جهة، ومطالبتهم من طرف هذه الحملات الحفصية بدفع الخراج للدولة"، بل لقد بلغ أولئك الحكام إلى أكثر من ذلك، فقد يهجم العدو على الجزيرة المسكينة، فتشتغل بالدفاع، وتستهلك جميع قواها في ذلك للدفاع، وتغلب على أمرها، فيحتلها العدو، وتنتهي العمليات الحربية، وحينئذ فقط تذكر الدولة أن جربة من ممتلكاتها، وأنها تأخرت في دفع الضرائب، وأنه يجب تأديبها على ذلك. يقول أبو محمد التيجاني في رحلته ص 126 وكان" تغلبهم عليها في هذه المدة الأخيرة سنة ثمان وثمانين وستمائة بسبب اشتغال ملك الحضرة إذ ذاك الله -

من

-رحمه

ببعض الثائرين عليه"، وبعد أن يصف كيف دخل جيش اللحياني إلى الجزيرة، ويصف بعض معالمها، يقول في صفحة 128: "ووصل إلينا إذ ذاك شيخ النكارة، وقد كان هو ونظيره من الوهبية فارا عن الجزيرة أول إقبالنا عليها خوفا على أنفسهما، فلما حللنا بها كتبا إلينا كتابا يطلبان الأمان، فأسعفا به، فوصل النكاري وتأخر وصول الوهبي، فوصل بعده بأيام، ولما اجتمعا تكفلا باستخلاص ما وضع الأداء على قومهما، وانفصلا ليشتغلا بقبض ذلك من يومهما، هكذا يتحدث التيجاني دون أن يخجل من تسجيل هذه الصفحة التاريخية المؤلمة التي كان هو أحد أبطالها، وهذا مخدومه أبو زكرياء اللحياني يقود جيشه الجرار ليطالب بالضرائب قوما قد استنفذ العدو ما لديهم، واحتل أرضهم، وكان المنطق يقتضي أن يوجه هذا الجيش الجرار إلى مقاتلة ذلك العدو الرابض في القشتيل، أما هذه الأمة التي وضعتها طبيعة الوطن في ثغر من ثغور الجهاد، فيجب تقدم إليها كل المساعدات؛ من رجال وسلاح، حتى تقف في وجه العدو باستمرار. هذه الصورة التي نقلناها عن التيجاني تمثل الحياة الكاملة لجربة في هذا العهد، الذي أطلقنا عليه اسم عهد التبعية فهي تستقبل العدو بالجهاد، وتقف في وجهه بما تملك من قوة

أن