الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٦٦٩الأباضية في موكب التاريخ
667
الأباضية في تونس
فتدفعه عنها، أو يتغلب عليها، وهي في كل ذلك تعتبر نفسها تابعة في الحكم لإحدى الدول القائمة، أو الولاة المستبدين بها، وتبعث إليها بضرائبها، فإذا تأخرت عن تسديد الضرائب إما لاشتغالها بجهاد العدو، وإما لسوء الحالة الاقتصادية تقدم إليها أولئك الحكام في وقاحة يطلبون منها دفع الضرائب، ويضعون عليها أنواعا من الغرامات، وقد ينزلون بها ألوانا من العقاب، وكانت الجزيرة المبتلاة بكل هذه المصائب تدفع إليهم ذلك وهي صابرة على الأذى، صامدة في وجه العدو، وتعتذر إليهم عن تأخرها في بعض الأحيان، لا تعكر عليهم صفو الأمن، ولا تدعو إلى ثورة، وذلك حرصا على سمعة الإسلام، ورغبة منها أن تكون تابعة لدولة مسلمة، ولو كانت هذه التبعية اسمية، وحفظا لقوتها التي تدخرها لمجابهة العدو المتربص بها على الدوام ينتظر الفرصة المناسبة لينقض عليها. على أنه يجب أن نذكر في هذا الصدد ثلاثة من ملوك هذه الدول دفعتهم غيرتهم على الإسلام، ومحافظتهم على الوطن الإسلامي إلى أن يُنجدوا هذه الجزيرة، ويساعدوها على تطهير أرضها من الغزاة المحتلين هؤلاء الملوك هم:
عبد الْمُؤمِن بن علي سنة 555 هـ، وأبو بكر الثاني الحفصي سنة 738 هـ، وأبو
فارس عبد العزيز بن أحمد سنة 835 هـ.
أما رحلة أبي زكرياء اللحياني وجيشه اللجب، فلم يكن القصد الحقيقي منها طرد العدو من جربة، وَإِنَّمَا كان القصد منها جميع أكثر ما يُمكن من الأموال والضرائب من الوسط والجنوب التونسي، ولذلك فقد كان ذلك الجيش الجرار ينتقل بين البلاد؛ من توزر، ونفطة، وقابس والحامة، وجربة، وغمراسن، وغيرها، وكان يعمل سرا على تكوين مملكة مستقلة في طرابلس، فهو بعد هذه الرحلة التي أبدى فيها في الظاهر إخلاصه للدولة، كان ينوي الحج وهو ملوث اليد والجيب من أموال الناس، ولم يكن قصده للحج إلا وسيلة للخروج من تونس دون مضايقة أو رقابة وهكذا تم له ما أراد فخرج إلى الحج ورجع فأقام بطرابلس، وحاول أن يقيم هنالك دولة، ودعا لنفسه وبايعته بعض القبائل، ثُمَّ ساعدته الظروف ورجع إلى تونس.