الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٦٧٥الأباضية في موكب التاريخ
673
الأباضية في تونس
كان سكان جربة يتوقعون نزول درغوث على جزيرتهم، ولكنهم لم يتفقوا على قتاله، ولم يستعدوا له، فقد وقع خلاف بين العلماء في جواز قتال هذا الجند المسلم، الذي يقوده قائد مسلم، وقال قائلون: ما دام القائد يتبع في حكمه دولة الخلافة ويرجع إليها، فإن على جميع البلاد الإسلامية أن تسمع وتطيع، وإذا طالبها ولاة تلك الدولة بالطاعة، وجربة بلد مسلم، أراد والي دولة الخلافة أن تتبعه في الحكم فعليها أن تطيع، سواء كان مركز الولاية في طرابلس، أو في تونس، أو في غيرهما، فإن الوالي لا شك يرجع في شؤونه إلى مركز الخلافة، ورضاؤها عن عمله بمثابة رغبتها في ذلك، وبناء على هذا فلا يحل لنا أن نقاتل هذا الجيش الذي به تعتز الأمة الإسلامية، ولا يجوز أن نحمل السلاح لنقتل جندا مسلما جاء لتنفيذ إرادة الدولة السنية ولا يحق لنا أن نعرض أنفسنا لنقتل، والقتيل منا لا يكون شهيدا، وإِنَّما يعتبر في حكم البغاة.
وقال قائلون: إن بلدنا هذا تابع في طبيعته وحكمه لتونس وعلى تونس دولة مسلمة نحن مرتبطون بها، فيجب أن نحافظ على هذا الارتباط ولا نخالف عنه، وسواء بقيت تونس مستقلة عن دولة الخلافة أو صارت ولاية من ولاياتها، أو الحقت بطرابلس، فلو دخلت تونس تحت حكم درغوث لدخلت جربة تبعا لذلك، أما تونس لم تدخل تحت حكم ذلك الوالي، فإن على جربة أن تدافع من يريد إخضاعها بالقوة، ويبتغي فصلها عن تونس، وأن ترد عنها يد من يحاربها؛ لأنه باغ معتد على بلد مسلم، وتسليم أهلها يعتبر خيانة للعهد وتفريطا في واجب مقدس عليهم صيانته. وهكذا اشتد الخلاف بين السكان، وتوقفت أكثر السواعد عن القتال تحرجا، ولما هم درغوث باحتلال الجزيرة قابلته شراذم من الناس تحمل في وجهه السلاح، وتبدي له المقاومة، فاشتد غضبه عليها، ودعا إلى مساعدته بعض القبائل خارج جوبة من أولئك الطامعين الذين يتوقون إلى مثل هذه الفرصة ليشبعوا نهمة الغنيمة والسبي في أنفسهم، ووقعت بين الإخوة موقعة مؤلمة، خسرت فيها جربة أشجع أبطالها وأفضل شبابها، وخيرة فتيانها، وأثمن أموالها وذلك أن القائد ما وضع رجله في الجزيرة حتى أباح للجند أن