الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٦٧٦

الأباضية في موكب التاريخ

674

الأباضية في تونس

من

يرتكبوا ما شاؤوا، ولم يفرق بين المحاربين والمسالمين ولا بين العزل والمسلحين، فاضطر حتى أولئك الذين أمسكوا عن القتال في مبدأ أمرهم أن يدخلوا المعركة، وأن يخوضوها مع الخائضين، واستباح أولئك الجفاة الجزيرة؛ فارتكبوا ما سولت لهم أنفسهم، وزينت شهواتهم، وقتل فيها من أبطال جربة الصناديد ألف ومائتا قتيل، وهي خسارة لم تخسرها جربة في كل حروبها مع الإفرنج ما عدا موقعة سنة 548 هـ لقد طالما كبدت هذه الجزيرة المسلمة أساطيل الإفرنج خسائر فادحة، دون أن تتجاوز خسارتها في الأرواح في أكبر المعارك بضع عشرات، أما اليوم فقد ذهب على يد درغوث ألف ومائتان من الْمُؤمنين الصادقين، لقد قتل هذا العدد الهائل من المحاربين الأكفاء، وفر أمكنته الفرصة، ولم يبق في الجزيرة غير الضعاف الذين لا يجدون حيلة، ولا يهتدون سبيلا، ومكث درغوث في الجزيرة حتى رتب أمورها، وعين عليها واليا وأسند إليه الحكم، ثُمَّ رجع إلى مركز ولاية طرابلس منتفخ الأوداج بالنصر العظيم، وكان الوالي الذي تركه على جربة من الضعف بحيث استطاعت الحاشية أن تتسلط عليه وتسيره في أغراضها، وترتكب باسمه ما تشاء؛ فكثر الظلم وأهدرت، الحقوق وانتهكت الحرم، وتحقق الناس ما كان يخشاه فريق من العلماء من تبعيتهم لطرابلس، فضحوا بالشكوى، ولم يكن لهم ملاذ في ذلك الحين غير تونس؛ لأنهم كانوا يرون أن البلاء إنَّما هو آت من طرابلس وعاصمة الخلافة فيما يبدو راضية بذلك. وهكذا طالبوا بإرجاع جربة إلى حكم تونس لينقذوا أنفسهم من جور عمال طرابلس، فإن الدولة التونسية مع ضعفها في ذلك الحين لا تكلف الناس شيئا غير مبالغ من المال، تؤدى إليها سنويا برسم الضرائب، وليس لها بعد الحصول على الأموال المطلوبة أي شأن بشؤون البلد الخاصة، وكتب أتباع درغوث في جربة إليه بالحركة الجديدة، فجهز جيشا آخر، وعاد إلى جربة يغلي غضبا، ولم يتقدم أحد لمقاومته هذه المرة، فدخل الجزيرة، وبدأ سيلا من الانتقامات وارتكب فيها من الفواحش ما يبرأ منه الدين والعرض؛ فسلب الأموال، وقتل الأنفس، وسبى النساء والأطفال، وهكذا قضى القائد المسلم على الجزيرة