الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٦٧٧

الأباضية في موكب التاريخ

710

الأباضية في تونس

القضاء الكامل، ولم يبق إلا من لم تصل إليه يد القائد أو أيدي جنده، وكان فيمن قتله درغوث علامة زمانه الشيخ أبو سليمان داود التلاتي. رجع درغوث وجنده يحملون الأموال والأسرى، وبقيت الجزيرة شبه خالية، يحكمها شيخها القديم مسعود بن صالح السمومني واليا من قبل درغوث، ولما علم الإفرنج أن السيوف التي كانت تصدهم في جربة قد تحطمت وأن السواعد القوية التي كانت تصفعهم قد تكسرت وأن العزائم الصامدة التي كانت تقف أمامهم لا تعرف

الهزيمة أو التراجع قد استؤصلت لما علم الإفرنج بذلك جهزوا أسطولا وقصدوا جربة. ومن الغريب أن درغوث لم يسارع إلى لقاء هذه الأساطيل الإفرنجية ليردها عن بعض ويحمي منها هذا المركز الاستراتيجي الهام الذي كبد الإسلام خسائر لا

ممتلكاته،

تحصى للحصول عليه، وَإِنَّمَا أخلى الطريق لتلك الأساطيل (1). فلما بلغ الأسطول الفرنجي ساحل جربة نشط واليها مسعود بن صالح السمومني، وجمع حوله بقايا العزائم القوية ممَّن أفلته سيف درغوث، وأغلب أولئك شيوخ يحني هاماتهم الشريفة عجز الهرم ومراهقون أطرياء العود يدفعهم الحماس إلى امتشاق الحسام قبل الأوان، واستقبل بهم العدو، ووقف في وجهه، فوقعت بين الطرفين مقاتلات عنيفة، لم يستطع فيها الإفرنج أن يتقدموا خطوة، وطال الحصار، وخشي والي الجزيرة أن يدب الوهن إلى رفاقه فصالح الإفرنج على أن يدخلوا القشتيل فقط، وليس لهم أن يتجاوزوه، وهكذا دخل الإفرنج القشتيل في جزيرة جربة حينما مهد لَهُم درغوث الطريق دون قصد، حينما استولى على جربة فخضن شوكتها، وفل، سلاحها وقلم أظفارها، ورغم أن الإفرنج قد احترموا شروط الصلح، فلم يتجاوزوا حصن القشتيل، ولم يتدخلوا في أي أمر أمر من أمور الجزيرة، فإن سكان جربة لم يرقهم ذلك، وكرهوا أن يبقى الأجنبي في بلادهم، وأن يتخذ

(1) يقول أبو الربيع الحيلاتي: "وفي السنة المذكورة نزلت عمارة النصارى على جربة، وجعلها الله رحمة وفكاكا للمسلمين مما هم فيه من جور درغوث وكان قد ألقى عليهم "أبي على الوهيبة" خمسين ألف دينار، وأخذ منها

شيئا فلما نزلت عليه العمارة هرب - أي برغوث إلى طرابلس واقتتل المسلمون مع النصارى".