الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٦٨٥الأباضية في موكب التاريخ
683
الأباضية في تونس
درس حمودة باشا الموضوع دراسة مستفيضة وأكثر الاستشارة، واستعرض حالة تونس الحاضرة وحالة برغل وعلاقة الجميع بالدولة العلية وأخيرا قر رأيه على أن يقف مع ذلك المغامر الجريء موقف الحزم، فجهز جيشا عظيما تحت قيادة مصطفى خوجه، وأرسله إلى طرابلس لطرد علي برغل وإرجاع أبناء القره مانلي إلى مقر حكمهم. واستطاع القائد التونسي الأعرج أن ينجح في مهمته أعظم نجاح؛ فقد استولى على طرابلس، وطرد منها برغل وأرجع أصدقاء القره مانلي إلى حكمهم، وكف أيدي الجند عن الناس، فلم يلحق طرابلس أي أذى من هذا الجيش الكبير، فأحب أهل طرابلس هذا القائد واحترموه، وجمع أغنياؤهم مبلغ مائة ألف محبوب قدموه مكافأة لهذا الجيش العفيف القائد، وأضاف إليه مبلغ أربعين ألفا من عنده ووزعها على الجند، ورجع إلى
وقبله
منهم
تونس مشيعا بالاحترام والتقدير والإعجاب.
وفي نفس الحين الذي ذهب فيه مصطفى خوجه إلى طرابلس لتأديب برغل، جهز حمودة باشا أسطولا آخر تحت قيادة الجزيري وأرسله إلى جوبة، ووصل الأسطول التونسي إلى جربة؛ فتلقاه قره مُحمَّد ووقعت بين الجيشين معركة حامية، انهزم فيها قره محمد وخرج من الجزيرة، وكانت المدة التي بقيتها الجزيرة تحت حكم طرابلس في هذه المرة ثمانية وخمسين يوما -أي أقل من شهرين، ومن المؤسف أن أعمال علي الجزيري في جربة كانت عكس أعمال مصطفى خوجه في طرابلس، فما فرت حامية طرابلس ودخل هو وجنده الجزيرة حتى أباح لَهُم البلاد فنهبوها؛ وبلغ بهم الانحطاط والطمع إلى أنهم لم يحترموا حتى المساجد، فنهبوا أوقاف كثير منها، وبدا على الجزيرة سلسلة من الانتقامات والعقوبات، وهكذا أصيبت هذه الجزيرة بمحنة أخرى لم تكن تتوقعها، وبقي الجزيري واليا على جربة لمدة شهرين؛ ارتكب فيهما من ألوان الظلم والقسوة ما حمل أهل الجزيرة إلى أن يبعثوا وفدا إلى تونس، وذهب الوفد وعرض على حمودة باشا ما تلقى الجزيرة على يد الوالي علي الجزيري، فعاقبهم على تسليمهم جزيرتهم إلى علي برغل ثُمَّ قبل عذرهم، واستمع إلى شكواهم،
وعزل عنهم علي الجزيري، وولي مكانه مصطفى بن حسن الكبير سنة 1209 هـ.