الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٦٨٧

لقد

الأباضية في موكب التاريخ

الأباضية في تونس

فقد تسلط عليها الولاة الأتراك على طرابلس؛ مثل درغوث بن علي، وعلي برغل، ووجهوا إليها من العنف أقسى ما يُوجهه ظالم لا يرحم على ضعيف لا يملك قوة، ولكنه لا يذل ولا يستكين، ولم يقفوا عند حد في الإضرار بها؛ فقد وجهوا إليها حملات غازية متتابعة، استنزفت منهم الدم والحياة؛ فقتلوا أبطالها، وابتزوا أموالها، وحطموا قوتها، وخربوا بلادها، وعاثوا فسادا، ولم يراعوا فيها لا حرمة الإسلام، ولا حرمة الجوار، ولا حرمة الضعيف المغلوب، ولا حتى حرمة البشرية. وضعوا بين أعينهم صورة واحدة لهذا البلد المسلم، هي الصورة التي عبر عنها علي برغل بقوله: "إن" هذه الجزيرة ذات خصب وثروة عظيمة (1)، ووضعوا لأنفسهم صورة أخرى عبر عنها علي برغل أيضا بقوله: "هذه الجزيرة قريبة منا وعسكرنا حاضر مستعد للقتال". وما دامت الجزيرة ذات خصب وثروة وهي قريبة، وعسكرهم مستعد للقتال فماذا يمنعهم من ظلم الناس وقتل أرواحهم، واستنزاف أموالهم، وتخريب ديارهم، إن من حقهم – فيما يحسبون - أن يستمتعوا بتلك الثروة، وذلك الخصب، فغزاها در غوث غزوات متلاحقات وكان في كل مرة يقتل من أهلها من يصله سيفه، ويأخذ من مالها ما تبلغه يداه، وحاول برغل من بعده أن يقوم بنفس الدور، ولكن حزم حمودة باشا باي تونس ضربه على يده بعد المحاولة الأولى، فخسر جربة، وخسر طرابلس معها.

ولم يقف الشر في جربة في هذه الفترة عند هذا الحد الذي يتمثل في الغزوات الظالمة من ولاة طرابلس على الجزيرة، وإنَّما تليت بحكم أسرة أبناء أبي الجلود؛ الذين أوصلهم درغوث إلى منصب الحكم، وكانت هذه الأسرة شر أسرة توارثت الحكم في البلاد، فكان حكمهم كارثة أخرى نزلت على البلد فيما نزل من الكوارث، وقد امتدت هذه الفترة المؤلمة من سنة 960 هـ إلى سنة 1209 هـ، حين طرد على الجزيري بأمر حمودة باشا- قائد الحامية الطرابلسية قره، مُحمَّد الذي احتل جربة بأمر علي برغل عاشت جربة في هذه الفترة التي تمتد قرابة قرنين ونصف على أسوأ وضع عاشت عليه

أمة، وقد أثر عليها من جميع النواحي أسوأ الآثار.

1) المنهل العذب، ص 318.