الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٦٨٨الأباضية في موكب التاريخ
686
الأباضية في تونس
أما الفترة الثانية: التي تمتد من سنة 1209 هـ إلى سنة 1289 هـ، وهي مدة تقارب قرنا من الزمن، فقد عاشتها جربة تحت نظارة الحكومة التونسية، وكانت أكثر استقرارا وأمنا، فقد كانت الحكومة التونسية تهتم بأمر الولاة وتستمع إلى شكايات الأهالي فيهم، وتحاسبهم بعض المحاسبة على تصرفاتهم، وقد تعزل البعض منهم استجابة لرغبة السكان كما فعلت بعلي الجزيري، فلم يستطيعوا أن يبالغوا في الظلم، ولا أن يثقلوا على الناس، وقد تخلصت جربة في هذه الفترة من الغزوات الخارجية؛ فلم يعد إليها الإفرنج، ولم يعد إليها ولاة طرابلس، وبذلك استطاعت أن تأمن وتطمئن، وأن تنمي الناحية العددية فيها برجوع بعض المهاجرين من أبنائها، وأن تعود إلى الكفاح لتحسين الناحية الاقتصادية التي استنزفتها الحروب والضرائب والغرامات. لقد كانت الفترة الأولى من هذا العهد بما حملته معها من فساد وخراب وفتنة داخلية وخارجية، قد قضت على الناحية الاقتصادية في جربة، فبعد أن كانت أرضا خصبة، تنتج أحسن الغلال وأجود الفواكه، وكان أهلها من أبرع المزارعين وأحرصهم على العمل عاث أولئك الجنود المتعاقبون فسادا في تلك المزارع، وأحالوها إلى أرض قاحلة، ولم يتركوا لأصحابها فرصة لإحيائها والمحافظة عليها، ولقيت الناحية الصناعية في البلد نفس المصير، فقد كانت تقوم في جربة معامل للصناعة المحلية تدر على أهلها ربحا لا بأس به، فخربت تلك الجيوش ما جاء في طريقها من تلك المعامل، وشردت الصناع الذين يديرونها أو يقومون عليها، وبددت المواد الخام التي تقوم عليها تلك الصناعة، وأصبح الناس في حالة يرثى لها، يتوقعون كل يوم مزيدا من الشر، ولكنهم لا يعرفون الصورة التي سوف يفد عليها، ومن المؤسف أن أولئك
الحكام كانوا يطالبون بالمزيد من المال كأنما كانت أصابع سكان جربة تسيل بالذهب. ونتج عن هذه الأحوال أن كل من استطاع أن يهاجر إلى أي بلد تيسر له أن ينتقل إليه في أمان، وباشر الجربيون في مهاجرهم أي عمل أبيح لَهُم، وكانوا يتقدمون في أعمالهم تلك في مهاجرهم بفضل ما يتحلون به من صدق وأمانة، وإخلاص وجد وكانت أعمالهم تلك تنتهي غالبا إلى افتتاح محال للتجارة، وهكذا كان هذا العهد الظالم سببا لهجرة أكثر