الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٦٩الإباضية في موكب التاريخ
67
أسباب
الجملة
نشأة المذهب الإباضي في هذا الزعم - أَنه لم يضر الإسلام ويهونه في نظر أتباعه، ويُجرِّئ المسلمين على ترك فرائضه وانتهاك حرماته، وعدم التقيد بشرعه شَيْء مثل ما أضر به هذا القول الذي يضفي الإسلام الكامل على رجل ليس له من الإسلام إلا قولة «لا إله إلا الله»، وتشدق بعض المتفقهين الذين يستغلون ما حفظوا دون فهم ويجتهدون لإرضاء العامة والجهلة من الناس بتهوين المعصية لهم، ويدجلون باسم بعض المذاهب، قائلين: "إن جهنم لَمْ تُخلق لمن يوحد الله، ولو لَمْ يعمل شَيْئًا، وأن من قال لا إله إلا الله دخل الجنَّة، وإن زنى وإن سرق"، غير فاهم معنى الأخيرة، في أمثال هذه الأساليب التي يقتطعونها عن معانيها، ويخدعون بها الناس عن أنفسهم وعن دينهم وعن ربهم، يضفون عليهم لقب الإسلام ويسلبونهم العمل الصالح الذي اشترطه الكتاب الكريم لمن آمن بالله، فلم يرد فيه إيمان غير مقرون بالعمل الصالح والإحسان. هذه قضية ثالثة من القضايا التي يكاد ينفرد بها الإباضية منذ أول الإسلام، وساروا فيها على المنهج الذي كان عليه مُحَمَّد، وسار عليه أصاحبه رضوان الله عليهم- فلم يفرقوا بين القول والعمل، ولم يُجزئوا دين الله، ولم يطمعوا العصاة المصرين غير التائبين -سواء كانت معصيتهم بالفعل أو الترك- في رحمة الله.
والآن وقد انتفض المسلمون من هجعتهم الطويلة، ورجعوا إلى كتاب ربِّهم وهدي نبيهم وسيرة سلفهم يستلهمونه التوجيه ويستوحونه الإرشاد ويلتمسون منه هداية الطريق، عرفوا أن العمل، هو الشرط الأساسي في صحة العقيدة، ولذلك فقد انطلقت الأقلام المباركة تدعو إلى الاستمساك بالعروة الوثقى من كتاب الله، والتحلي بالخلق الأقوم الذي تحلى به مُحمد والاندفاع إلى ميدان الجهاد الدائم جهاد النفس، فإن من لم يستطع أن يقهر الشيطان في نفسه لا يستطيع أن يقهر العدو في أرضه وما دام المسلمون منحرفين عن صراط راط الله السوي فَإِنَّهُم لن يتأيدوا بنصر الله.
الله
فإذا فهم المسلمون الإسلام حق الفهم، ورجعوا إلى العمل به أفرادا وأمَما، شعوبا ودولاً، وأسلموا أرواحهم وألسنتهم وجوارحهم الله، فإن تعالى يشرح صدورهم للإسلام، ويجعل من كُلِّ ضيق فرجًا، ومن كُلّ مشكلة مخرجًا، ويؤتهم العزة التي وعدهم بها، فإن العزة الله
لهم من