الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٦٩٠

الأباضية في موكب التاريخ

الأباضية في تونس

كفاح الإباضية للانحراف

لا شك أن البلاد التونسية في العهد الإسلامي قد تغيرت عليها أنظمة الحكم بين عدد من الدول والإمارات، ولا شك أنها كانت مقرا لعدد من الطوائف الإسلامية المختلفة المذاهب من صفرية، ونكار، ومعتزلة وشيعة وأشعرية وإباضية وغيرها، وإنه لعسير على مؤرخ أن يصور حياة هذه الأمة المسلمة بكل طوائفها التي كانت تعيش على تراب هذه البلاد العزيزة، باحثا لها من جميع الجهات، ناظرا إليها من مختلف الزوايا.

وأنا في هذا الكتاب إنَّما أتحدث عن طائفة واحدة من تلك الطوائف الكثيرة التي عاشت في هذا الوطن، ولست في حديثي هذا مؤرخا أتقصى الأحداث، وأتنسط الأخبار، وأتتبع سير الفرق لأسجل ما يقع فيه من حوادث، وأرافق الملوك والجيوش أصف معاركها، وأفصل انتصاراتها وانهزاماتها، وَإِنَّمَا كل ما أرمي إليه في هذا الكتاب أن أجعل القارئ الكريم يعيش وسط الشعب، ويحيا بين أفراد الأمة العاديين، الذين لا علاقة لَهُم بالحكم والحاكمين إلا حين يتفرجون على مواكبهم الفخمة. وهي تسير في الشوارع تياهة مُختالة، أو حين تسوقهم الأقدار مرغمين في بعض الأحداث، وأن أضع بين يديه صورا لحياة طائفة من الْمُؤمنين؛ عاشوا في جزء من البلاد الإسلامية الفسيحة قرونا من الزمن، ولا يزالون يعيشون يدينون الله دين الحق، ويحملون رسالة الله في ثبات

وصبر، ويُجاهدون في سبيل الله بقوة وعزيمة وجلد، مثل ما أتاحت للإباضية في البلاد التونسية. وبما أن الإباضية قد تقلصوا تحت عوامل متعددة من كثير من الجهات التي كانوا يعمرونها، وانحصروا في جزيرة جربة، فإن في إمكاننا أن نجعل هذه الجزيرة، أو هذه الطائفة من الإباضية في هذه البقعة من البلاد التونسية العامرة موضوعا لحديثنا، ومثلا نوضح به الصور التي نريد استجلاءها لنستخرج منها الغظة والعبرة، ولنرى ما تستطيع

الأمة الإسلامية أن تقدمه للبشرية، إذا هي التجأت إلى الإسلام، واحتمت بدين الله. إننا عندما نتحدث عن جزيرة جربة هذه الجزيرة الصغيرة التي كانت تلين عندما يهاجمها المسلمون حتى تصاب بأفدح الأضرار، وتتصلب حين يهاجمها الإفرنج حتى تصبح صخرة