الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٦٩٢الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
الإسلامية الطريقة التي يجب أن تتعامل بها البشرية، وذلك بما في كتاب الله، وفي سنة رسول الله، وسيرة الخلفاء الراشدين، وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم جميعا، وسيرة من تبعهم بإحسان، وكان الفاتحون في زمن الخلافة الرشيدة حراصا على أن ينفذوا أحكام الله كما جاءت في كتاب الله، وعرفوه في التطبيق الذي قام به من ولي الحكم من خيار هذه الأمة. فتقبل الناس هذا الدين في شمال إفريقيا كما تقبلوه في البلدان الأخرى، وقامت لمحاربته قلوب مظلمة بالكفر، وأيد مغلولة بالوثنية وعقول غرتها الحياة الدنيا والنفوذ والتحكم وضمائر لوثتها المطامع في الحياة، فلم تعد تهتم للحق والخيـ والعدالة، كما وقع ذلك في جميع الربوع عندما تشرق عليها لأول مرة أنوار الإسلام، ولكنها لا تلبث القلوب المتعفنة أن تفنى والعقول الخاطئة أن ترجع إلى الحق، وتستجيب لدعوة حتى ترفرف عليها راية الإسلام.
الله،
بهرج
السلطة
وتغير حملة الرسالة بعد ذلك، فذهب أولئك الذين أوصلوا الرسالة، وليس لهم هم إلا أن الله ينتشر دين وتعلوا كلمته، وجاء من بعدهم قوم يبنون لملك عضوض، ويؤطدون لدول متحكمة في مال الله وعباد الله، فأعتمت الصورة المشرقة التي جاء بها الإسلام لما انحرف الحكام عن إقامة دين الله، فطالب الناس باتباع أمر الله، والمحافظة على ما جاء في كتاب واتباع ما وردت به الحنيفية السمحة ولكن الأيدي الحاكمة التي كانت تمسك بمقاليد الأمور كانت لا تستجيب لهذه الدعوة، ولا يرضيها الرجوع إلى حكم الإسلام العادل النظيف؛ لأنه طريق لا يصلون منه إلى غاياتهم من الترف والرفاهية وبلوغ الشهوات، والتحكم في مقدرات الأمة، وتولد عن هذا الانحراف في أنظمة الحكم تطور في الكفاح ضد الانحراف.
لقد سبق أن أشرت إلى أن الإباضية كانوا منتشرين في أغلب البلاد التونسية، ولقد كانت لَهُم مواقف في الكفاح، كما كانت لغيرهم من الطوائف والمذاهب مواقف. ويجدر بي أن أقول هنا: إن الكفاح ضد الانحراف قد اتخذ طرقا عدة، ومظاهر مختلفة، منها مواقف إيجابية صارمة، ومنها مواقف سلبية لينة، وبينها مواقف كثيرة تختلف قوة وضعفا، ولينا وعنفا وشدة وهوادة والكفاح ضد الظلم أو الكفاح السياسي