الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٦٩٣الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
سوف نتحدث عنه في فصل آت إن شاء الله، أما هذا الفصل فهو معقود للكفاح السلب الذي يقصد منه إقامة دين الله، والمحافظة على أحكامه بالنسبة للفرد والمجتمع، دون اللجوء إلى العنف أو الثورة.
حرص الإباضية في مختلف أدوار التاريخ على أن يقيموا دين الله فيما فإن أتيح للأمة بينهم الإسلامية دولة ترعى حدود الله وتقيم أحكامه تعاونوا معها، وأعانوها، أما إذا كانت الدولة القائمة جائرة غير سائرة على أحكام الله حرصوا على أن يكونوا أقل الناس شغبا، وأعطوها ما تطلب منهم من أموال أو ضرائب مثل غيرهم من الناس وكفوا أيديهم عنها ولها إلا بمقدار الضرورة، ثُمَّ رجعوا إلى مجتمعهم فاتبعوا النظام الذي سموه بنظام العزابة، وهو يكفل حد، وإقامة الصلاة فيها، وتيسير السبل لها، والمحافظة على دروس الوعظ
لَهُم رعاية المساجد، والإرشاد، وتثقيف العامة تثقيقا دينيا، ودراسة كتاب الله، والعلوم الشرعية واللغوية، والإشراف على تعليم الصبيان، وتربيتهم تربية إسلامية نظيفة والمحافظة على الأسواق أن تدخل إليها الأموال المحرمة أو المسترابة، والتشديد على التجار أن تدخل بعض الصور الممنوعة في معاملاتهم، وقد كان كبار العزابة يتفقدون بأنفسهم الأسواق والمتاجر، ويشرحون للناس صور الربا، وأنواع المعاملات التي لا تجوز شرعا، حتى كان الناس يتندرون بذلك، فيقول بعضهم: إن العلماء علموا التجار طرق الغش؛ لأنهم يشرحون لهم الصور الممنوعة التي قد يكونون غير عارفين بها، ولتشديد العلماء في مراقبة الأسواق وما يدخل إليها أصبح الناس يتحرزون كثيرا، ويترددون في أن يشتروا شيئا من سكان البوادي الذين كانوا في ذلك الحين لا يتورعون عن الإغارة واقتناء الماشية من طريق النهب، ولا سيما أولئك الأعراب الذين وفدوا مع بني هلال، وبني سليم، وكانت أدمغتهم لا تزال مشحونة بما كان يعتز به عرب الجاهلية من الشجاعة والإقدام على الموت، والإغارة على الأحياء المجاورة. وكانت تثور بين العلماء في هذا الصدد مناقشات حامية الوطيس، وقد وقع نقاش من هذا النوع في يوم من الأيام، فغلا أحدهم حتى قال: إن جميع الأموال التي بأيدي الأعراب ريبة؛ لأنها آلت إليهم عن طريق الغارة، والسلب، وحتى إذا لم يباشروا ذلك بأيديهم فإِنَّهَا لا محالة وصلت إليهم عن هذا الطريق، فقال له أحد الحاضرين: إن أصل الماشية منهم، فقد جاءوا بها عندما