الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٦٩٤

الأباضية في موكب التاريخ

692

الأباضية في تونس

دخلوا إلى إفريقية، وكان المسجد غاصا بالحاضرين، قسم الرجال غاص بالرجال، وقسم النساء غاص بالنساء، فقالت امرأة من قسم النساء بل هي أموال أهل البلاد اغتصبوها، ثُمَّ هم يبيعونها. ومفهوم بالبداهة أن النقاش كان يدور حول الأعراب من بني هلال وبني سليم؛ الذين وردوا على إفريقيا في فترة من التاريخ وكل ما لديهم هي سيوف يقتا سيوف يقتلون بها، وخيول يحاربون عليها، وأيد يأخذون بها ما تصل إليه من أموال الناس.

إن

المناقشة السابقة تدل أن التحرج من الأموال المسترابة أمر شائع في حياة جميع أفراد الأسرة يتحرز منه الرجل، وتتحرز منه المرأة، وحتى عندما يتردد الرجل يتردد الرجل ويميل إلى التساهل تقف المرأة الْمُؤمنة دون ذلك التساهل؛ لأنها اقتنعت بوجهة نظر معينة، والمرأة عندما تقتنع لا يمكن أن تتراجع.

إن الإباضية عندما انحرفت الدول عن إقامة أحكام الله، وأصبح الناس يتهارشون على مناصب الحكم، تخلى لَهُم الإباضية عن تلك المناصب، وأقاموا لأنفسهم نظاما يكفل لَهُم القيام بجميع أحكام الله ما عدا حكم الإمامة، ولقد حافظ الإباضية في تونس على هذا النظام إلى القرن العاشر ثُمَّ بدأوا يتحللون منه، أما الإباضية في الجزائر فلا يزالون يحافظون عليه إلى اليوم، ويستطيع الزائر الذي يزور مواطن الإباضية في الجزائر أن يجد صورة صحيحة للمجتمع الإسلامي الحي الذي يقرأ عنه في السيرة، المجتمع الذي يسير بحكم الله؛ مستفيدا بما بلغت إليه الحضارة دون أن تؤثر عليه الحضارة بمفاسدها. أما هؤلاء الإباضية الذين تحللوا من نظام العزابة في ليبيا وتونس فقد جرفتهم الحياة كما جرفت غيرهم في تيار الحضارة الفاسدة، وأصبحت إقامة دين الله عندهم كما عند غيرهم شكلية ظاهرية، وأثرت على شبابهم المتعلم كثير الأفكار والنزعات المستوردة التي

التحفظ

كثير من

يقصد منها؛ إما محاربة الإسلام في أسمى مبادئه، وإما تبرير الأخطاء التي وقعت فيها بلاد الغرب ولم تستطع التخلص منها، على أنه لا تزال في الشباب والشيوخ بقية تحمل من الإثم؛ الإثم الفردي أو الجماعي، ذلك التحفظ الذي كان معروفا عن أسلافهم، وإن أملنا في الله قوي في أن يراجع المسلمون أنفسهم، وأن يعودوا بها إلى دينهم، وأن يبنوا حاضرهم على القواعد الراسخة من ماضيهم.

روح