الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٦٩٥الأباضية في موكب التاريخ
693
يهم
الأباضية في تونس
أحد في بلاد
لقد انقرض الإباضية من البلاد التونسية ما عدا جربة فيما أعلم، فلم يبق منهم الجريد التي كانت عامرة بهم، ولم يبق منهم أحد في جبال دمر التي كانت معقلا من معاقلهم، ولعل من أهم الأسباب التي أدت إلى انقراضهم هو تحللهم من نظام العزابة، الذي لا يستطيع فيه الفرد أن يشذ عن الجماعة المسلمة بارتكاب المعصية، فيحكم عليه بالبراءة، فلما تحلل أولئك الناس من نظام العزابة أدى ذلك إلى عدم الاهتمام بالتعليم، وأدى بالأفراد إلى عدم التحرج من ارتكاب المعصية الهيئة في نظرهم، وغلب عليهم الجهل، ثُمَّ توالى عليهم العدوان من الجموع التي تحترف من الغارة والنهب والسلب، وتتخذ الخلاف المذهبي أو الجنسي مبررا لأعمالها، فكانت هذه العوامل مجتمعة سببا في أن يهاجر بعض السكان إلى جهات أخرى حيث يأمنون، أو أن يعتنقوا مذاهب الطوائف الغالبة. وبقيت جربة محتفظة بمذهبها؛ لأنها بقيت محتفظة بنظام العزابة إلى أواخر القرن العاشر، ثُمَّ بآدابه وآثاره فيما بعد، وقد تحللت هي الأخرى من هذا النظام، وأصبحت الرابطة بينها رابطة ضعيفة، ولعل شبابها المتعلم الذي تخرج من معهد الزيتونة العامر أو من غيره من دور العلم في الشرق أو الغرب يدرك أنه لا حياة مسلمة إلا بالمحافظة على الإسلام المحافظة الحقيقية؛ من إقامة دين الله فيما يتعلق بالفرد أو بالمجتمع، وإنه يجدر به أن يعود إلى الإسلام لتتحقق الروابط المتينة؛ التي ربط الإسلام بها الأمة المسلمة في مجموعها، والأسرة المسلمة في نطاقها فيتمسك به، فإن التحلل من رباط الإسلام، أخلاقه وتبعاته، هو كل ما يطلبه منا أعداؤنا، وفيما أسلفت من تاريخ جربة أمثلة لقوة المسلم عندما يعمل بوحي الإيمان، وأمثلة أخرى لضعفه عندما يتحلل من الإسلام، وتصبح قضية الدين عنده شكلية، تشبه أن تكون عادة لا عقيدة.
والانحلال من
الله
لقد حافظ علماء الإباضية في البلاد التونسية وفي جربة بالذات على التمسك بدين فلم يسمحوا لأي فرد أن يتهاون بواجباته الدينية عملا وتركا، ومن خالف نفذ فيه حكم البراءة، فرجع إلى حظيرة الإسلام بالتوبة والاستغفار والتكفير إن كانت المسألة ممَّـ
يتخلص منه منه بالتكفير.