الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٦٩٧

الأباضية في موكب التاريخ

الأباضية في تونس

المكروه الذي لا يبلغ أن يكون حراما، ولكن المداومة على اقترافه تدل على انحراف في خلق المقترف، ورغبة منه في مُخالفة الإسلام ولو في بسائط الأمور.

وبهذه الاعتبارات رأيت أن كلمة الرذيلة أصلح في الدلالة على معناها في هذا الباب، تُم إن هنالك بعض المعاصي يرتكبها أصحابها مستحلين لها، وقد يوافقون على أنها رذائل، ولكنهم لا يوافقون البتة على تسميتها بالمعاصي والحكم عليها بالتحريم، وقد انتشرت أنواع من المعاصي بين الناس حتى أصبحت عادات سائرة يرتكبها الأفراد والجماعات دون تحرج؛ لأن كثرة انتشارها وإلف الناس لها خفف من شعور الإثم بارتكابها، فإذا ما قلت لأحدهم إن ما تفعله يا فلان رذيلة يجب الابتعاد عنها، تجده موافقا على أن عمله ذلك رذيلة، وقد يجيبك بأنه سوف يُحاول ترك تلك الرذيلة، أو يعتذر لك بأي عذر يخطر على باله، أما إذا وصفت عمله بأنه حرام، ومعصية، فإنه لن يوافقك على ذلك، ويبرهن لك على خطئك بأن أكثر الناس يفعلون ذلك، أو يصفك بأنك جامد متخلف عن العصر، فتعاطي الدخان مثلا، وتزوير الشهادات الطبية للتخلص من العمل، أو للخروج إلى البلاد الأجنبية برسم العلاج على نفقة الدولة، والنفاق الاجتماعي بالإطراء الكاذب للوصول إلى غرض خاص، أو غير ذلك من الأشياء التي تعود إلى سلوك الفرد الشخصي، أو سلوكه الجماعي بالنسبة للأمة والدولة. إذا وصفت مرتكب ذلك بأنه قد ارتكب رذيلة قد يوافقك على التسمية، ويبتسم لك ابتسامة صفراء، تدل على إعجابه بدهائه وذكائه في نفسه، ولكنك إذا قلت: إن تلك الأعمال حرام ومعصية، فإنه لن يرضى لك بذلك، ولن يوافقك عليه؛ وذلك لأن أمثال هذه الأشياء أصبح معتادا بين الناس، وخف فيه الشعور بالإثم والإحساس بالمعصية؛ لأن متعاطي ذلك قد تجاوز في نفسه معنى مخالفة الحق إلى الاستحلال واختفت من ذهنه أحكام الشريعة في تحريم الدخان، كما اختفت من ذهنه نصوص تحريم غش الأمة أو الدولة في النفاق الاجتماعي، كما اختفت من ذهنه معاني تحريم السرقة ومحاسبة النفس عن موارد المال، وطرق كسبها، كما اختفت من ذهنه نصوص الشريعة من تحريم الإخلال بالواجب في صور استصدار الشهادات للتخلي عن العمل، أو لأخذ الأموال دون حق برسم العلاج؛ لتصرف في السياحة ومعانيها خارج الوطن أو داخله.