الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٦٩٨

الأباضية في تونس

الأباضية في موكب التاريخ ضربت للقارئ الكريم هذه الأمثلة لبعض المحرمات التي شاع ارتكابها في عصرنا الحاضر، حتى أوضح له المعنى الذي أقصاه بكلمة الرذيلة التي وضعتها في عنوان هذا الفصل، وأحس أن ما أرمي إليه أصبح مفهوما والرذائل التي حرص العلماء على محاربتها في عصور متقدمة ليست هي بطبيعة الحال نفس الرذائل الموجودة اليوم، والتي يجب على العلماء محاربتها، وإِنَّما لكل عصر رذائله، أو بتعبير قد يكون أدق إن المجتمعات في كل عصر عندما تنحرف عن أحكام الشريعة قد يستسهل أفراد منها نوعا ما من المعاصي أو الرذائل حتى ينتشر وتصبح الأكثرية من الناس لا تتحرج منها، ولا تشعر بالإثم في ارتكابها، وتصير رذيلة يعترف الناس بها، ولكنهم يستحلونها ولا يعترفون بأنها معصية ومحرم، وتوجد في المجتمعات الإسلامية اليوم أمثلة كثيرة لهذا النوع انتشرت في فترات طغيان الجهل، وضعف بعض العلماء، ثُمَّ أصبحت مما يعسر القضاء عليه.

،

وفي أزمنة الانحلال الديني لا سيما بعد القرن العاشر حين أقصي العلماء الأعلام عن قيادة الأمة، وحَدَّت السلطة الحاكمة من نفوذهم الروحي على أعمال الناس وعملت على عزلهم عن المجتمع، بدأ الناس يتعودون المعاصي، ويتجرأون على مقارفتها، ويبتعدون قليلا عن مكارم الأخلاق التي بعث سيد العلماء لإتمامها، حتى مردوا على بعض المعاصي من قلوبهم الشعور بالإثم في ارتكابها، وأصبحوا يقترفونها على أنها عادات سيئة لكن لا ذنب فيها، فإذا جئت تنتقد أحدهم على ارتكابه تلك المعصية على أنها رذيلة وجدته ينتقد معك، ويتحمس في النقد، ويسهب في ذكر مضارها والمساوئ التي تنتج عن تعاطيها، ولكن حين تأتيه من باب الدين، وتذكر له أن ذلك منكر يجب الابتعاد عنه، وأن عمله ذلك معصية ومحرم بشرع الله،

حين يسمع منك هذا يزور ويلوي عنقه عنك، ويصفك بأنك رجعي يغلب عليك الجمود. إن الكفاح في هذا الباب لا يخرج عن النهي عن المنكر، والنهي عن المنكر يكون قاعدة أصيلة من قواعد المذهب الإباضي كما سبقت الإشارة إلى ذلك في الحلقات الأولى من هذا الكتاب، فما يجوز لمسلم يرى منكرا ثُمَّ يسكت عنه، وقد حرص الإباضية على تطبيق هذه القاعدة والقيام بها قياما دقيقا، لا سيما عندما توجد لديهم مجالس العزابة، وتجاوزوا كفاحها في المحرم إلى كفاحها حتى في المكروه، وكانوا يعطون لأنفسهم حق