الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٦٩٩الأباضية في موكب التاريخ
697
الأباضية في تونس
الإشراف على الناس حتى يتعرفوا الخطأ والصواب فيه على اليقين، فيأمرونهم بما يجب أو يحسن، وينهونهم عما يحرم أو يكره.
ورغم أن الجنوب التونسي أمثال فحص القيروان والحامة، وبلاد الجريد، وجزيرة جربة، وجبال، دمر، ومطماطة وغمراسن وما بين ذلك كان يعج بالعلماء الأعلام، فإن الواحد من أولئك العلماء كان يتكبد مشاق السفر، وينتقل بين تلك البلاد المتباعدة، ويرتحل إلى الأحياء الضاربة في الصحراء، فيقيم مع كل حي أياما ليعرف سيرتهم عن كتب، ويرى الله، مقدار محافظتهم على دين ومدى فهمهم له والعمل به وما ينتقل ذلك الشيخ إلى حي آخر حتى يعقبه شيخ آخر من بلد آخر، يقوم بنفس المهمة، ويبالغ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو بالعبارة التي اخترناها يقوم بمحاربة الرذيلة التي لا تجد في مثل هذا المجتمع
مكانا، وقد حفظت لنا كتب التاريخ من هذا الكفاح المجيد أحاديث تملأ المجلدات. وقد يزور أحدهم بلدا فيجد الناس قد خالفوا السيرة في أمر لا يبلغ أن يكون محرما وخوفا من أن يتعود الناس التساهل في آداب الإسلام، وسيرة العدول من المُسلمين، ويتجرأ الناس على ارتكاب الصغيرة ثُمَّ يصرون عليها، يأمرهم بملازمة السيرة، وينهاهم عن الخروج عن آداب الإسلام الظاهرة في سيرة المُسلمين، ويمتنع عن الدخول إلى بلدهم، والأكل من طعامهم حتى يقلعوا عن ذلك، ويعودوا إلى ما رضيه الإسلام والمسلمون الصادقون، وبسبب ذلك الكفاح المجيد حافظ الإباضية على أخلاق الإسلام حتى الحاكمون على العلماء، وكموا أفواههم، وقيدوا أيديهم، وحالوا بينهم وبين الدعوة إلى دين الله، فانطلق العامة دون هداية يرتكبون ما شاء لَهُم الهوى.
تسلط
إن كفاح الرذيلة بمعناها الواسع ظاهرة واضحة في تاريخ الإباضية، فمع الحرص على صيانة المجتمع الإباضي من انتشار المعصية بين أفراده، بسبب تطبيق نظام العزابة الذي تحدثنا عنه بإسهاب في حلقات ماضية، حرص العلماء على محاربة ما أطلقت عليه اسم رذيلة، حتى مما لا يبلغ أن يكون معصية، وحتى بعد أن انفرط عقد نظام العزابة في الجنوب التونسي، وليبيا، كان العلماء كأفراد - حريصين على القيام بهذه المهمة، ويرون أن القيام بها واجب شخصي عليهم، حتى تغلبت عليهم السلطة الحاكمة في العصر التركي الأخير، وكمت أفواهم، وربطت