الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٧٠٠

الأباضية في موكب التاريخ

الأباضية في تونس

أيديهم كما قلت سابقا، على أن أثر ذلك الكفاح لا يزال باقيا، فلا زلت تجد البعد عن الشبهات، والعفة عن أموال الناس والحرص على أداء الواجب والأمانة والإخلاص فيه من الخلال التي يتحلى بها الناس في جربة مثلا، ولا أزعم أن هذه الخلال تتناقص يوما عن يوم بسبب التيار الجارف في هذا العصر، فالأمل في أولئك الإخوان أن يحافظوا على ما بقي لهم من

مستوى أخلاقي رفيع، حتى يرجع إليهم الشارد ويفهم المخطئ أسباب أخطائه ونتائجها. من الرذائل التي حاربها الإسلام رذيلة البطالة، ورذيلة التسول، ورذيلة الاعتماد على الغير في مرافق الحياة، وقد حرم الإسلام ذلك مع القدرة، فما يجوز لمسلم يحرص على كرامة الإسلام فيه أن يعيش متبطلا يحترف التسول، ويعتمد على ما يحسن به الناس إليه، اللهم

إلا في حالات الضرورة التي تبيح المحظورات وإلا فالمسلم لا يمد يديه للسؤال وتلق عطايا الناس، وكشاهد على كفاح الإباضية لهذه الرذائل أسوق إليك ما يقوله المؤرخ الكبير

الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب في مقدمته لكتاب "مؤنس الأحبة" يقول الأستاذ حسن: "وهم - أي أهل جربة - معروفون بنشاطهم في معترك الحياة، وبإقدامهم على مشاق وأتعاب الغربة في سبيل التكسب والكد المتتابع، واقتحامهم الصعاب للحصول على كفاف من المال، لا بنية التمتع به في أماكن قرارهم البعيد، بل أمل كل واحد منهم العودة بذلك المكتسب الغالي إلى وطنهم الصغير، وإنفاقه في إقامة منزل مناسب، يحيط به جنان ذو ثمار من نخيل وزيتون وكرم وتفاح، يكون العون المساعد لصاحبه عندما يدرك من العمر ما يمنعه من التمادي على نشاطه والاستمرار على العمل والاكتساب. هكذا عرفنا سكان جربة وعرفهم من قبلنا آباؤنا وأجدادنا وأسلافنا، وكذا وصفهم كل من سكن هذا القطر، أو زار الجزيرة في القديم والحديث وهي لعمري صفات جد وعمل دائبين، يحبذهما كل من يقدر قيمة العمل، ويراه الوسيلة النافعة لإشادة البلاد في بناء عمرانها، وتحرير قاطنيها من ربقة الحاجة، ولقد حدا هذا السلوك إلى أن صيرهم في بهم غنى عن السعي إلى الوظيفة، وعن التطلع إلى الاستخدام في مصالح الحكومة، وهي غاية لا تدركها إلا بالممارسة الطويلة للعمل، والصبر على مضاضة العيش، وعدم الاستنكاف من المهن مهما كانت قاسية وبالتالي هي نتيجة للتجربة والتجلد".