الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٧٠١الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
ويقول الأستاذ حسن حسني بعد كلام وليس منا من لا يعرف أفرادا من أهل جربة ابتدأوا حياتهم بالشغل البسيط المتواضع في ميدان الاقتصاد، وتكبدوا مرارة الأتعاب ومضاضة العيش وأقبلوا على المهن المرهقة حتى أصبحوا بعد حين من الدهر من أهل الثراء، فهذا نتيجة ذلك، ثُمَّ إنا لم نكن نسمع أن من بين أهل جربة من يمد يده للسؤال إلا من يعيش عالة على غيره، بل إن أفقرهم سواء أكان في وطنه أو خارجه، يكدح ليله نهاره لكسب قوته بيمينه ولا يرضى أن يمتهنه التسول وما من عمارة جديدة أنشئت في حضرة تونس أو خارجها وقبل انتهاء بنائها، إلا ويسبق إليها جربي فيستأجر بها دكانا لتجارته، أو محلا لبقالة أو غيرها، وليس هذا من الغريب بعد أن رأيت الفكرة التي يشب عليها وليد جربة من صغره، وقد يرشده سابقوه من أبناء جلدته إلى أنجع طريق يسلكها حسب استعداده وتأهله، ويمدونه بالمعونة المطلوبة ماديا وأدبيا، فكان من أسباب هذا الانتهاج أن دبت في أفرادهم الأمانة، وسرى في عروقهم حب الكد والصبر عليه، كما كان من نتائجه الملموسة أن أقبل كبيرهم وغيرهم على العمل واجتهد في المثابرة على التكسب، وترك الوناء والكسل، وبفضل هذا كله ظلت جزيرتهم على فقر تُربَتِها - من أطيـ المناخات وأبهى البلاد في المنازل التونسية.
ثم انظر يا رعاك الله - إلى ناحية أخرى من نشاط آل جربة في جزيرتهم، فإني لا أحسبك تجد فيهم من هو عاطل عن العمل، ولا من يستلقي لأضواء الشمس لا يدي حراكا، فكلهم صغار وكبار مقبل على شغله اليومي منقطع لحرفته".
وبعد كلام يقول الأستاذ حسن حسني: "فهذه التربية على العمل، وهذا الانكباب المصحوب بالجد والمثابرة، رُبَّمَا لا يشاهد مثله على تلك الصفة في المقاطعات التونسية الأخرى". انتهى كلام الأستاذ حسن حسن عبد الوهاب.
هذه الأخلاق التي أعجب بها المؤرخ التونسي الكبير في أهل جربة إنما تكونت عندهم بسبب كفاح علماء الإباضية لعدة رذائل تجري في نسق واحد وهي رذيلة البطالة، ورذيلة الاعتماد على الغير في وسائل العيش ورذيلة محاولة التكسب من أيسر طريق، ورذيلة