الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٧٠٣

الأباضية في موكب التاريخ

701

الأباضية في تونس

-

ه كان العزابة والعلماء يهتمون بالسلوك الفردي للأشخاص كما يهتمون بالسلوك الجماعي، فتراهم يعلنون حكم البراءة في قوة وعناية على من تسول له نفسه أن يُخالف سيرة المُسلمين، أو تغلبه نفسه فيميل مع الشيطان وترى العلماء يسارعون إلى النهي عن كل بادرة تشعر بأن المجتمع قد ينحرف عن سواء السبيل، فهم لا يقرون الفرد على ارتكاب الرذيلة؛ لأنهم يحكمون عليه بالبراءة، فيضطر إلى الرجوع إلى الطريق القويم، ولا يسكتون عما ينشأ في المجتمع مِمَّا لَم ينبع من سيرة المُسلمين الصادقين، وبهذا الموقف حافظوا على سيرة كاملة للمجتمع الإباضي، الذي يعتبر مجتمعا إسلاميا نظيفا حريصا على تطبيق الشريعة الإسلامية في الكليات وفي الجزئيات.

- يحرص العزابة والعلماء أن يكلفوا كل فرد داخل تحت نظامهم بالعمل والكفاح في سبيل العيش الحلال، ويُحاولون أن يجدوا لكل شخص عملا يتناسب مع استعداده الفطري وكفاءته الشخصية، ولا يسمحون للمسلم الإباضي أن يحترف التسول إلا في الحالات الضرورية جدا، تقدر بقدر دفع غائلة الجوع ريثما يجد الشخص العمل الذي يدر عليه كسبا يكفيه، أو تهيأ له حياة كريمة تحفظ ماء وجهه وكرامة شخصيته عن الابتذال والامتنان، وهم يجمعون بين النصوص الواردة في البحث على مساعدة الفقراء، وعلى الإكثار من الصدقة، وعلى معاملة السائل باللطف والرحمة وبين النصوص التي تحرم التسول، وتمنع الصدقة عن القوي الذي يستطيع أن يحترف بأنه يحرم على المسلم أن يتخذ التسول مهنة يحترف منها، وعلى المُسلمين أن يمنعوه من ذلك أولاً بالنهي عن ارتكاب هذه الرذيلة،

وإقناعه بأن هذا لا يتفق وعزة المسلم، وثانيًا بإتاحة فرصة العمل أو الحياة إذا لم تتح له بتوجيهـ التوجيه السليم في هذا الطريق، وقد نجح علماء الإباضية في هذا الباب نجاحا منقطع النظير، وفي الحين الذي ترى فيه أفواجا من المتسولين في بعض الجهات - وهم أقوياء الأجسام ذووا استعداد للعمل - غير أنهم يفضلون أن يكسبوا المال بمد الأيدي، وترديد اللسان لبعض الدعوات، فإنك في المجتمع الإباضي لا تجد متسولا واحدا يتككف الناس أعطوه أو منعوه، اللهم إلا إذا دخل إليهم من جهة أخرى، ولا تزال هذه الظاهرة واضحة إلى اليوم.