الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٧٠٤الأباضية في موكب التاريخ
702
الأباضية في تونس
هذه صور مقتضبة أضعها بين يدي القارئ الكريم في إيجاز، ويستطيع أن يجد كثيرا هذه الصور إذا هو تتبع التاريخ، أو أتيح له أن يعيش بين الإباضية في مواطنهم التي لم يتغلب عليهم فيها الانحلال العصري.
من
لمما
على أن هذه الصور الكريمة التي يعتز بها أي مسلم، والتي حسب الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب بعضها مزايا ومراحل لا تصل إليها الشعوب إلا بعد عناء وجهد. هذه المكارم التي حرص أسلافنا على الاتصاف بها بدأنا نحن نتخلى عنها، وإنه لـ يحز في نفسي وأنا استعرض ذلك التاريخ المجيد أن الإباضية في تونس وفي ليبيا قد بدأوا يخالفون سيرة أسلافهم الأمجاد، وأصبحوا يرتكبون بعض تلك الرذائل التي حاربها علماؤهم الأعلام بدون توقف ولا هوادة، فأصبحت ترى فيهم من يتلهف على الحصول على الوظيفة، ومن يهمه أن يجمع المال غير ناظر إلى وسائل ذلك الجمع، بل قد ترى من يرتكب بعض تلك الموبقات التي حرص أبوه على محاربتها بحكم الإسلام، فتراه
يحمل علبة السجائر، أو علبة السعوط، أو غيرها مما حرمه الإسلام للاستعمال أو للتجارة. والحقيقة المرة أن الشعب -أي شعب- إذا ابتلي بازدراء المقومات التي حفظت عليه شخصيته وكرامته، وأصبح يتحلل من مزاياه الدينية والخلقية، ويقلد الآخرين في رذائلهم فإنه سوف ينحدر إلى هوة بعيدة القرار.
إنني حين أسوق هذا الكلام وأنا أتحدث عن جربة، أو عن الإباضية في تونس، لا أقصد به جربة فقط، ولا أهل جبل نفوسة فقط، ولا المجتمع الإباضي فحسب، وَإِنَّمَا أقصد به الأمة المسلمة جمعاء بما فيها طوائف ومذاهب، فإن هذه الأمة الكريمة ما أصيبت بما أصيبت به، إلا حين تخلت عن مقوماتها كأمة تحمل رسالة إلى البشرية، وتسابق أفرادها إلى المناصب في الدولة، وإلى الوظائف في الحكومة، يشغلونها ليبتزوا أكثر ما يمكن من مال، بأقل ما يُمكن من جهد، وليشبعوا في أنفسهم شهوة السيطرة والتحكم والاستبداد، ثُمَّ تخالفوا على ذلك وتطاحنوا عليه، وتعادوا من أجله، ثُمَّ استمرأوا البطالة، وساغ في حلوقهم المال الحرام في المأكل والمشرب، والملبس والمنكح والمكسب، ولم يقف بهم الشيطان في هذا الحد، فتنازلوا عن خصائصهم كأمة قائدة هادية، وانحطوا إلى