الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٧٠٥

الأباضية في موكب التاريخ

703

الأباضية في تونس

أن يكونوا أمة هزيلة ضعيفة تقلد الغير وتقتبس منه، وتتبعه في الأخطاء والرذائل، وأعرضوا عن ذلك المنهج الذي كون من شتى الأمم والأجناس خير أمة أخرجت للناس، وأعظم دولة سارت بالبشرية في الطريق القويم، وأصبحوا يستوردون مناهج للتجربة من أمم ضالة عمياء. أَعْمَى يَقُودُ بَصِيرًا لَا أَبا لَكُمُ قَدْ ضَلَّ مَنْ كَانَتِ الْعُمْيَانُ تَهْدِيهِ متناسين المنهج الإلهي الذي سارت به أسلافهم، وقادوا البشرية إلى الخير والحب والسلام. ومن المؤسف أن العالم الإسلامي العظيم انقسم إلى أمم صغيرة، يجثم على صدر كل أمة منها أراجوز يطلق على نفسه أعظم الأسماء، وأضخم الألقاب، ومن حوله طائفة جميعا لا يزيدون عن أن يكونوا أراجيز خشبية وضعت للعب، أو أبواقا تنتفخ

الأتباع، وهم

للدعاية، أو قططا مقلمة الأظافر تنتفخ وتنتفش، ولقد صدق الشاعر حين يقول: مِمَّا يُرْهِدُنِي فِي أَرْضِ الْأَنْدَلُس أَسْمَاء مُعْتَمد فِيهَا وَمُعْتَضِد كَالْهِرْ يَحْكِي انْتِفَاحًا صَوْلَةَ الْأَسَدِ

أَلْقَابُ مَمْلَكَةٍ فِي غَيْرِ سَلْطَ

من

وقد ساء الوضع على ما عرفه الشاعر القديم ولا يزال يسوء. ومن المؤسف أن كل صاحب لقب من هذه الألقاب ينتفخ وينتفش ويتنمر على أخيه، فإذا لاح له الأجنبي أصبح أذل من، وتد وفي الحين الذي تجد فيه أصحاب هذه الألقاب، الذين يضفون على أنفسهم أكرم النعوت، ويتسرَّ بلون ثياب القيادة والزعامة، والدعوى العريضة على أنهم حراص على مصلحة الأمة، تجدهم يتحرشون بإخوانهم في الدين، ويستأسدون عليهم، وينكلون بالعلماء الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وينتقدون ما في حكمهم من فساد وانحراف، وهم مع هذا المظهر المتجبر مع الإخوة لا يستنكفون أن يتذللوا لأعدائهم في الدين أو الوطن، ويتملقون من لم يضع يوما سلاحه في حرب الإسلام والْمُسلمين، وليت ملقهم هذا كان مقصورا على قوي يخشون سطوته، أو غني يطمعون

في ثروته، ولكنهم لا يزالون يتملقون من هو دونهم إرضاء لمن هو أكبر منهم. ومِمَّا يؤذي سمع المسلم أن تجد أولئك الرؤساء أو الزعماء يضفون النعوت الكاذبة على مكاريوس صاحب قبرص، ويستقبلونه استقبال الصديق العزيز، وهو الرجل الذي لا تزال يداه ملوثتين بدماء المُسلمين من الترك، ولا يزال يحمل سيف الصليبيين الحانقة على