الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٧٠٩

الأباضية في موكب التاريخ

707

الأباضية في تونس

لذلك

وجلبهم للدراسة، وهم يتولون الإنفاق عليها، فإذا كانت مواردهم الاقتصادية لا تتسع استعانوا بغيرهم فكان الواحد منهم يبذل وقته وجهد وماله ليوفر للطلبة وسائل الراحة والإقبال على التعليم، وقد يتفق مع أصحاب المال أن يقوموا بالجانب المادي فيتولون الإتفاق على مشاريعه التعليمية، ليواصل هو كفاحه في سبيل نشر العلم، وبث المعرفة، ولعل هذه الظاهرة كانت أظهر في جربة منها في غيرها من بلدان الإباضية في البلاد التونسية، وقد اتضحت أكثر في القرون المتأخرة، عندما انحل رباط العزابة الذين كانوا يشرفون على التعليم، وأصبحت قضية التعليم إحدى الواجبات الهامة التي صارت منوطة بالعلماء مباشرة، وأصبحوا يحسون بوجوبها إحساسا بليغا، فكانوا يضمون إلى جهودهم العلمية جهود أصحاب المال المادية، ليقوموا بهذه الرسالة المقدسة على أحسن ما يُمكن.

مدارسهم

وفي القرن الحادي عشر وما بعده، أصبح العلماء أفرادا ومجموعات أكثر اهتماما بالموضوع، وكانوا يدأبون على إراحة الطلبة من الجانب المادي، فكانوا بيسرون لهم وسائل الحياة الكريمة في الداخلية بما يتخذونه من التراتيب مع أصحاب المال، فإذا ضاقت المدرسة عن بعض الطلاب، أو كان أحد الطلاب يدرس في جهة أخرى لا تتوافر فيها وسائل السكنى والاستقرار الجماعي للطلبة، فسرعان ما يتصل العلماء بغني من الأغنياء ليتكفل بالإنفاق على الطالـ الفقير، ويستجيب الغني ويحسب ذلك نفقة في سبيل الله، وما أكثر ما كنت ترى طلابا يتفرغون لطلب العلم، ويسكنون في الخلايا التابعة لمسجد من المساجد، ويأتيهم في كل شهر ما يكفيهم لنفقتهم ويزيد من أحد الأغنياء المحسنين، وقد اعتاد أغنياء جربة هذه العادة، وأصبحت فكرة الإنفاق على طلاب العلم - لا سيما الطلاب الذين يأتون إليهم من بعيد من أحب أنواع البر إلى أنفسهم، حتى كادت تكون عادة دائمة، واستمرت هذه العادة إلى الزمن الأخير، وانتقل حب الإنفاق على طلاب العلم مع أغنياء جربة حتى خارج الجزيرة، فكان التجار في تونس ينفقون على الطلاب الذين يدرسون في المعهد الزيتوني العامر أو غيره من المعاهد، وليس من النادر أن يؤم طالب علم مدينة تونس من جزيرة جربة، أو من جبل نفوسة ليدرس العلم فيسمع أحد التجار هنالك فيدعوه إليه، ويتولى الإنفاق عليه حتى يتم دراسته.