الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٧١٠

ياضية في موكب التاريخ

708

الأباضية في تونس

هذا جانب من جوانب الكفاح في سبيل العلم، أما الجانب الثاني فيتضح مما يأتي: يشرف أحدهم على مدرسة يتولى تنظيمها وإدارتها والتدريس بها، يساعده في ذلك بعض العلماء وكبار الطلاب، ولكن قبائل أو أحياء أخرى قد تكون بعيدة بعض الشيء عن هذه المدرسة، فيتقاعس أبناؤها عن الحضور، ويتخلفون عن الدراسة فيهتم صاحب المدرسة لذلك، وينظم أوقاته وأوقات، مدرسته، بحيث يستطيع أن يزور هو وأحد مساعديه تلك القبائل أو الأحياء البعيدة زيارات منتظمة في الأسبوع أو اليوم، يلقي فيها دروس العلم للطلاب، ودروس الوعظ والإرشاد للعامة في المساجد، ويقوم في نفس الوقت بملاحظة سيرة الناس، ومدى اتباعهم لأحكام الدين، ومحافظتهم عليه، ليقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

إن وجد داعيا إلى ذلك.

وعلى هذه الوتيرة كان يعيش العلماء، ورب حي أو ناحية ليس بها مدرسة أو ليس بها مشايخ علم في فترة من فترات التاريخ يتعاقب عليها عدد من المشايخ من جهات مختلفة يلقون فيها دروس العلم ودروس الوعظ والإرشاد مرات في اليوم، ويرتب جدولها الأسبوعي بحيث يخصص لكل شيخ وقت محدد يدرس فيه مواد معينة.

إنهم كانوا لا يتركون الجهل يستبد بالناس، ومعركتهم مع الجهل هي المعركة الحقيقية الطويلة التي يرون أنهم مطالبون بين يدي الله بالكفاح فيها، ولقد يسمع أحدهم بأن بلدا من البلدان أو قبيلة من القبائل - حتى تلك القبائل البدوية الضاربة في الصحراء- خلت من العلماء، أو المتعلمين فيشد إليها رحاله تاركا وطنه وماله وأحيانا أهله، ويستقر في البلد الله الجديد، أو الحي البعيد، يعلم أبناء المُسلمين، ويحمل الناس على الاستمساك بدين والعمل بما جاء فيه، حتى إذا اطمأن إلى أنهم قد سلكوا الطريق القويم، ورأى أن المدرسة بدأت تؤتي نتائجها، وأصبحت تسير بدونه اتَّجه حينئذ إلى وطنه، ورجع إلى بلده ليستقر هنالك، ولكنه يبقى على استعداد دائما لمواصلة الكفاح، فلو علم أن مكانا آخر يحتاج إلى جهوده فإنه سرعان ما يشمر للرحيل.

لقد

اهتم

أولئك العلماء بالأمة اهتماما عظيما من جانبين جانب التعلم والتعليم، وجانب السيرة والسلوك، والمحافظة على دين الله، فكانوا لا يكتفون بالسؤال، ولا بما يبلغهم عن