الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٧١١

الأباضية في موكب التاريخ

709

الأباضية في تونس

إخوانهم من طريق السماع، وَإِنَّمَا كانوا يفضلون المشاهدة ويعتمدون عليها، ولذلك فهم لا ينفكون عن زيارات جميع النواحي والاطلاع على أحوالها ومعرفة شؤونها عن كثب، فكان العالم من القيروان مثلا يزور جميع بلدان الجنوب حتى يصل إلى وادي أريغ، وقد يستمر إلى وارجلان، به أو بادية بني، مصعب وقد يسير مشرقا حتى يصل إلى جبل نفوسة، وهو في جميع ذلك ينتقل بين بلد، وبلد وقرية وقرية وحي وحي زائرا ومتفقدا ومعلما، ومتعلما، وكلما حل مكانا نظر، فإذا وجد أهله يحتاجون إلى تعليم، أو تقويم، أقام عندهم للتعليم أو للتقويم، وإذا وجد عندهم علما ليس عنده مكث للتعلم، وإذا رضي حالهم من الناحيتين العلمية والدينية، ولم يجد داعيا للبقاء بينهم انتقل إلى غيرهم، ولقد كانت هذه المسافات الممتدة نراها اليوم شاقة ومتعبة بوسائلنا الحاضرة كانت عليهم يسيرة سهلة هينة بوسائلهم في تلك العصور، ذلك أننا نركب القطار، والسيارة، والطائرة، ونقيس المسافات والأعمال بالمقياس المادي الوغل في المادية، أما هم فقد كانوا يركبون عزائمهم وإراداتهم، ويقيسون المسافات والمشاق بمقياييس روحية، فتتضاءل أمامهم العقبات، وتطوى المسافات، وإنه ليندر أن تجد عالما من أولئك العلماء لم يزر أغلب البلدان التي بها إخوانه في المذهب، ويعطيها ويأخذ منها، وقد يقيم في البلد الأخير، ويستقر كما فعل الكثيرون منهم.

التي

ويستطيع المؤرخ أن يجد لهذه الظاهرة مئات الصور، فإنه ما أخذ بلدا من بلدان الإباضية وتتبعه وتتبع سيرة علمائه إلا وجد منهم عددا غير قليل يسير بهذه السيرة المباركة، خذ مثلا جبل وسلات هذا الجبل الشامخ المشرف على القيروان، والذي كان في أزمنة طويلة من أهم معاقل الإباضية، إنك إذا تتبعت سيرة علمائه فسوف تجد إلى جانب المدارس الكثيرة التي كانوا يشرفون عليها هناك، ويؤمها طلبة العلم من جميع الجهات للدراسة، إنهم كانوا ينتشرون في بقية البلدان لأداء هذه الرسالة العظمى، بل إنك تجد بعضا منهم قد انتقلوا من أجل قضية التعليم خارج البلاد التونسية كلها، فهذا العلامة عبد الغني الوسلاتي (1) الذي يضعه علماء عصره في طبقة الإمام أبي عبد الله محمد بن بكر، ينتقل من جبل وسلات ولا يزال يمر بالبلدان يعلم

(1) ذكره أبو عبد الله الباروني في الطبقة التاسعة.