الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٧١٣

الأباضية في موكب التاريخ

711

الأباضية في تونس

كفاح البدعة

عندما أبلغ الفاتحون الأولون الإسلام إلى إفريقيا على صفائه في زمن الصحابة -رضوان الله عليهم أقبل الناس عليه، وتقبلوه واعتنقوه، لا سيما وأنهم وجدوا فيه حلا لجميع المشاكل الإنسانية التي عقدتها الحياة، فلقد استنارت قلوبهم وانتشرت بينهم عقيدته الصافية الواضحة، وتحطمت عليها العقد الوثنية بمختلف عقائدها التي كان يدجل بها الوثنيون وأصحاب الديانات الباطلة والمحرفة، كما تحطمت عليها خرافة الألوهية البشرية، واستغلال الإنسان الذكي للإنسان الغبي، والإنسان القوي للإنسان الضعيف وسار الفاتحون الأولون سيرة الدعاة المخلصين إلى الإسلام، فاطمأن الْمُؤمِن، واقتنع الشاك، ورجع المرتد، وآب الشارد. فلما تولى الحكم طلاب الدنيا والراغبون في السلطان انحرفوا عن مبادئ الإسلام في الأحكام، وأصبحوا يتجنبون تطبيق ما لا يتفق مع رغباتهم ومطامعهم، ثُمَّ لحق بهم في الانحراف ناس أوتوا علما وذكاء وفهما، وصاروا يدخلون على الإسلام آراء غريبة عنه بعيدة عن الحق، فاضطر علماء الأمة إلى الدفاع عن نصاعة الإسلام؛ فكانوا ينقدون سلوك الحكام المنحرف وينهونهم وينهون أتباعهم عن البدع العلمية التي كانوا يرتكبونها من جهة، ومن جهة أخرى كانوا يردون الآراء الخاطئة، والتأويلات الباطلة، وذهبوا في هذا ثلاث مذاهب متعاونة متساندة.

كثير من

الأول: إنكار البدع العلمية، وذلك لنقد سلوك الحكام الذين يقرون بجميع أحكام الإسلام، ولكنهم يُخالفونها في أعمالهم، فيعترفون بوجوب العدل ولكنهم لا يعدلون، ويعترفون أن أكل أموال الناس بالباطل حرام ولكنهم يتزونها ويختلسونها ويغتصبونها، ويعترفون أن دماء المُسلمين حرام إلا بحقها، ولكنهم لا يتورعون عن سفكها لأتفه الأسباب، فكان العلماء يردون هذه البدع العلمية، ويواجهون الحكام بالنهي الصارم واللوم الشديد، وقد يتجاوزون موقف النقد والنهي إلى موقف الثورة؛ كما فعل فقهاء كبار التابعين في أوائل الدولة الأموية، كالحركة المعروفة التي ذهب ضحيتها التابعي الكبير سعيد بن جبير.