الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٧١٥الأباضية في موكب التاريخ
713
الأباضية في تونس
الوصول إلى غايات خاصة يتوقون إليها، أو رغبات مكتومة يرجون الحصول عليها، يمت بعضها إلى النواحي المادية، بينما يمت البعض الآخر إلى النواحي الدينية والروحية، ولعل منهم من يهمه أن يُحارب الإسلام باسم الإسلام، متنكرا وراء عقيدة أو رأي أو مبدأ، وليس هذا بطبيعة الحال مقصورا على إفريقيا أو المغرب، بل كان موجودا في جميع البلاد التي تغلب عليها الإسلام
وساد فيها، ولعل وجوده في المشرق الإسلامي كان أكبر من وجوده في المغرب الإسلامي. وفي هذا الميدان؛ ميدان محاربة أولئك المتنطعين الذين يحاربون الإسلام وحقائق الإسلام بإدخال بدع في دين الله، سواء كان الدافع لَهُم إلى ذلك ماديا أو دينيا، وسواء فعلوا قصد أو عن خطأ وسوء فهم، كان يقف العلماء المخلصون الموقف الصامد
ذلك عن
دين
عن
القوي يذودون عن دين الله خطر البدعة الجارفة. ولقد كان علماء الإباضية من أحرص الناس على مكافحة البدعة، فكانوا يجوبون المسافات الطويلة من هذا القطر ليبقوا دون أن تدخل البدع القولية أو العلمية إلى الناس، وكثيرا ما ينتقلون من مكان إلى مكان بعيد، ليردوا بدعة بدأت تتسرب إلى عقائد الناس، أو إلى أعمالهم حتى إذا صححوا الوضع وأقروا الحق رجعوا إلى مواطنهم، وكانوا يكثرون زيارة إخوانهم في بلادهم ليروا أعمال الأفراد ويطلعوا على سلوكهم وأقوالهم، ويتعرفوا على سيرتهم عن كتب، ويحضروا مجالسهم العلمية في المساجد والمجامع العلمية، وتراهم في جميع ذلك حريصين على أن يبينوا الله كما جاء عن رسول الله الله، وهم أقوياء في ذلك أشداء، لا يسكتون عن المنكر من القول أو الفعل مهما كان صاحبه، وبمجرد ما يرون ذلك عند أحد من الناس سرعان ما يأمرونه بالرجوع إلى الحق، والتوبة من الخطأ، فإن استجاب فذلك المطلوب، وإلا أخرجوه إلى الخطة، ووحشية الهجران، ولقد تصدر الكلمة الخاطئة عمن يتحلى بالعلم، ويتصدر المجالس دون ترو، أو عن سبق وهم إلى النفس فلا يسكتون لها، ويردونها على صاحبها، ويطالبونه بالرجوع من الخطأ إلى الصواب، بل لقد بلغ بهم هذا التمسك بالصحيح إلى أن الطلبة قد ينتقدون أساتذتهم إذا بدا لَهُم أنَّهم أخطاوا في قول، أو اعتمدوا القول المرجوح دون دليل مقنع، وقد يبدأ الطلبة فيضعون شيخهم في الخطة إذا ظهر لَهُم أنه أصر على الخطأ، حتى يعود إلى القول الصحيح والعمل السليم، وإذا كانت هذه مواقف الطلبة في بعض الأحيان مع أساتذتهم فكيف تراه تكون