الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٧١٨الأباضية في موكب التاريخ
716
الأباضية في تونس
الحكم، وكان منها ما يجمع بين فترات من الحكم الإسلامي المشرق الذي ينطبق على الأسس السليمة لنظام الحكم، وفترات من الحكم الظالم الطاغي، وكان العلماء المخلصون لدين الله طول هذه العصور يجاهدون … كانوا يجاهدون بكل ما يملكون من سطوع الحجة، وقوة الحق، ونصاعة البرهان ينتقدون الحكام في انحرافهم عن سبيل الله، ويُحاولون أن يقوموا سلوكهم بالموعظة الحسنة، والبيان الواضح، والتهديد بعقاب الله للظالمين، وأحيانا بالدعوة إلى مطالبتهم بالتخلي عن الحكم، فإن لم يستطيعوا ذلك حاولوا بمختلف الوسائل أن يخففوا من أثر الظلم على الناس، وقد كانت منهم مواقف مشرفة في رد كيد الظالمين، والوقوف في وجوههم، وتذكيرهم بأنهم انحرفوا بدين الله عن النهج الذي أراده الله للأمة المؤمنة. والمتتبع للأحداث التاريخية يجد أن بعض العلماء قد نجحوا فعلا في رد العدوان، ويجد بعضا آخر منهم قد أدى بهم حرصهم وحفاظهم على دين الله وعلى كلمة الحق إلى السجن والتعذيب حينا، وإلى القتل أحيانا، كما كان الحال مع أبي القاسم بن مخلد، وأبي عمرو النميلي وأبي مُحمَّد كموس وأبي موسى الزواغي، وأبي سليمان بن إبراهيم، وغيرهم كثير، وقد يتوالى الظلم والاستبداد حتى يحمل بعض العلماء إلى الدعوة إلى الثورة، وقلب نظام الحكم، وإبعاد الظالمين عنه، كما وقع لأبي خزر يغلا زلتاف. وإن المتتبع للتاريخ في البلاد التونسية يجد أن هذا القطر الكريم قد تداولته أيد مختلفة من الحكم؛ فقد استقلت به دول في بعض الأحيان، وكان تابعا لإحدى الدول في الشرق، أو في الغرب في بعض الأحيان، وتقاسمته دولتان أو أكثر في أحيان أخرى، وعاش مقسما بين حكام محليين في أوقات كثيرة، يتولى الأمر في كل قسم من أمراء أشبه بالمشايخ، وقد يكون القطر كله تابعا من حيث الاسم لحكومة مركزية، لا يهمها إلا مقادير من الضرائب تدفع لها سنويا، أما بقية الشؤون فتتولاها كل جهة بنفسها تحت سيطرة ولاة، أو حكام
شبه مستبدين بالدولة والشعب، ولكنهم مع ذلك يباشرون جميع أعمالهم باسم الدولة. وفي الفترات التي كان فيها الحكم من هذا النوع كان السكان يعانون أشد أنواع الظل والإرهاق والجور، فكان الناس يكافحون جهدهم في إيقاف أو تخفيف ما ينزل عليهم، بما يقدمونه لأولئك الحكام من هدايا أو رشاوى.