الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٧١٩الأباضية في موكب التاريخ
717
الأباضية في تونس
وكان أولئك الحكام كثيرا ما يشترون مناصبهم بأموال يقدمونها للحكومة المركزية، ثُمَّ يعودون إلى أفراد الشعب المساكين فيجمعون منهم أضعاف ما بذلوا، مرتكبين في ذلك أشد ألوان العسف والجبروت.
ولما كان أولئك الولاة أو الحكام لا يقيمون حكمهم على أسس تشريعية من الإسلام، ولا على أسس قانونية من وضع البشر، وَإِنَّمَا كانوا يسيرون وفق رغباتهم الخاصة، وشهواتهم الحالمة، فقد كانوا يرتكبون جرائم القتل أو السبي، أو مصادرة الأموال بناء على غضبة لسبب تافه؛ كوشاية من حاقد أو تحريض من عنصري متعصب، سواء كانت تلك العنصرية جنسية، أو مذهبية، أو حتى قبلية، أو رغبة في جمع مزيد من المال، أو حنق على أهل بلد؛ لأن أهله يميلون إلى حكم آخر، وإنك تستطيع أن تجد عشرات الصور المؤلمة لأحداث غاب فيها الإيمان والخلق، والضمير والإنسانية، وها أنا أمد يدي إلى أقرب المصادر التاريخية على المكتب فأنقل إليك أمثلة ممَّا كان يرتكبه أولئك الحكام بمختلف درجاتهم: يقول التيجاني في رحلته صفحة 14، وهو يرافق أبا زكرياء اللحياني ليجمع مزيدا من الأموال يستمتع بها ذلك السلطان القابع في الحضرة، وأساطيل الإفرنج تملأ عباب البحر: يوم الاثنين الحادي والعشرين متوجهين إلى نفزاوة، فترلنا يومنا ذلك بمنزل يعرف بـ "مجزم"، وهي قرية كبيرة وعليها غابة نخل ممتدة، وبها قصور ومنازل ضخمة بالنسبة إلى مباني البادية، ووجد الأجناد أهلها قد فروا عنها جلاء، وتركوها خلاء، فانطلقت أيديهم بالعبث في ربوعها، والرعي لزروعها، وكثيرا ما كانوا يحتفرون أرضا فيجدون أهلها قد أودعوا هنالك ما صعب عليهم نقله، وأثقلهم من الأثاث حمله، فأذهبوا بالإفساد، رسمها، ولم يبقوا منها في الحقيقة إلا اسمها". ويقول التيجاني في صفحة 179؛ متحدثا عن تبلبو: وكانت" بها قبل هذا غابة نخل، فقطعت أيام محاصرة مخدومنا لقابس كما تقدم".
وارتحلنا
هذه
من
"الحامة"
صور ينقلها لنا شاهد عيان في أوائل القرن السابع الهجري .. وإلى القارئ الكريم صورتان أخريان من هذه الصور التي ينحرف فيها الحكام عن نظام الإسلام، يقوم بإحداث إحداها مغامر جريء، يجري وراء المال، ويقص علينا التيجاني