الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٧٢الإباضية في موكب التاريخ
70
نشأة المذهب الإباضي
معه
وقد رأى الإباضية أن هذا المسلم الذي يعلن بين الملأ قول لا إله إلا الله، مُحَمَّد رسول الله، ثُمَّ يَجترئ يجترئ على أوامر الله فيتخلى عن واجباته، أو يقدم على ارتكاب المحظورات، أو يلقى الله بغير المظهر الذي يظهره للناس، أو يفضل على دين الله شيئا مما يدعو إليه البشر، أو يرتكس إلى التزلف لمخلوق حي أو ميت- فيرجو منه ما لا يرجوه المؤمن إلا من الله. رأى الإباضية أن هذا المسلم الذي وصفناه بالإسلام، وأدخلناه بين أهل التوحيد، لا يحق أن يكرم بالتساوي مع الصادقين، ولا يُمكن أن تشمله المحبة في الدين بل يجب أن يجد الغلظة من المؤمنين، وأن يسمع التقريع والتوبيخ، وأن يطلب الابتعاد عنه، وأن تعلن البراءة منه، ويقلل التعامل حتى تضيق عليه الأرض بما رحبت، ولا يجد ملجأ من الله إلا إليه، فَإِمَّا أن يشرح الله صدره للإسلام، وأن يفتح قلبه للإيمان، وأن يسخر أعضاءه للعبادة، وأن يباعد بينه وبين المعصية، فيتوب مِمَّا ارتكب، ويعود إلى حظيرة الإسلام بالعمل الصالح، والجهاد المتواصل، جهاد النفس والهوى، فترتبط أواصره حينئذ بأواصر الناس، ويصبح بعد الهداية والتوفيق أخا في الله .. وَإِمَّا أن يرتكس إلى الشيطان، ويصر على العصيان ويستكبر عن التوبة، ويبتعد عن محاسبة النفس، ويستمر في الغواية والضلال، وحينئذ لا يمكن لأولياء الله أن يُحبوا عدو الله، ولا أن يرضوا عمن جاهره بالمعصية، وإن القلوب المؤمنة لتستحي أن تتجه إلى الملك الديان، لتطلب منه الرحمة والغفران لعبيد الشهوات وأغوياء الشيطان، وبك لا هدي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكنَّ اللمَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ). إن العصاة الذين يصرون على ما فعلوا ويجاهرون الله والناس بما ارتكبوا، انفصلوا بكبريائهم عن ربهم، وابتعدوا عن محبة إخوانهم، وحادوا الله ورسوله، ولا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ الله وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَانُونَ مَنْ حَادَّ اللَّه وَرَسُولَهُ، وَإِنَّ الَّذِينَ يُحَافُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَولَنَاكَ فِي الأذلينَ}، {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ).
1) سورة القصص: 56.
(2) سورة المجادلة: 22.
(3) سورة المجادلة 20.
(4) سورة المجادلة: 5.