الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٧٣الإباضية في موكب التاريخ
71
نشأة المذهب الإباضي
لقد كانت الصراحة والصدق والإيمان هي الصفات التي يتحلى بها المسلمون في الصدر الأول، فلا تجد إلا مؤمنين يتنافسون في العمل الصالح، أو منافقين أذلهم الله بنفاقهم، أو مسلمين قد تغلب على أحدهم لمَّة (1) من الشيطان فيرتكب معصية يستخفي بها، ويستتر بذنبه وهو كظيم فلا تبلغ به الوقاحة إلى أن يستحل ما حرم الله، ولا أن يجاهر بمعصية الله، ولا أن يصر على ما ارتكب من ذنب، وهو يعلم أنه ذنب، بل إنَّه ليحاسب نفسه الحساب العسير على ما ارتكب من إثم، ويرجع إلى ربه وهو مشفق أن يعرض عنه مولاه، ويتخلى عنه برحمته وينساه.
إن المجتمع الإسلامي أنظف من أن تقع فيه المعصية من مسلم ثُمَّ يسكتون عنه فيدعونه فيهم محبوبا قبل أن يبادر إلى التوبة والاستغفار والتكفير، إن كانت المعصية مما يتحلل من
بالتكفير. قيل لابن عمر: "إن فلانا يقرئك السلام"، فقال له: "لقد بلغني أنه يقول بالقدر، فإذا كان باقيًا على شيء من ذلك، فلا تبلغه عني السلام وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب «مَن رَأَيْنَا منهُ خَيْرًا، وَظَننا فيه خيرًا، قُلْنَا فيه خيرًا وتَولّينَاهُ، ومَن رَأَيْنَا مِنهُ شَرًّا ظَنَنَّا فيه شَرًّا وَقُلْنَا فِيهِ شَرًّا وَتَبَرَّانَا مِنه» (2)، وقال عليه الصلاة والسلام: «من ــب الله وَأَبغَضَ اللَّهِ، وَأَعطَى الله، وَمَنعَ الله فَقَد استكمل الإيمان» (3).
هذه قضية رابعة من القضايا التي يكاد ينفرد بها الإباضية عن غيرهم من الإسلامية، فلم يساووا بين مؤمن تقي وعاص شقي في المعاملة، وقالوا يجب على المجتمع المسلم أن يعلن كلمة الْحَقِّ في كُلِّ فرد من أفراده، وأن يتولى تهذيب الناشزين وتقويم
المنحرفين، وتربية المخطئين بالوسائل التي شرعها الإسلام للتربية الجماعية، من أمر بمعروف ونهي عن منكر، وإعراض عمن يتولى عن
(1
اللمة: هو المس، ومنه «أعوذ بالله من كُلّ هامة ولامة».
(2) مقدمة التوحيد، شرح أبي سليمان داود، ص 48.
الله.
(3) أخرجه أبو داود، كتاب السنة، باب الدليل على الزياد والنقصان 269/ 2 ومقدمة التوحيد، من تعليق أبي
إسحاق، ص 9.