الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٧٢١

الأباضية في موكب التاريخ

719

الأباضية في تونس

الأرض بما يزيدها خصبا، ونماء في ظلال العدل، هذا الظلم الذي رأيت صورا منه ما

منه

كان يعانيه السكان طيلة قرون طويلة ما ذهب ظالم إلا ابتلوا بأظلم مـ وقد كان الإباضية أكثر تعرضا لهذه الألوان جميعا من الظلم، فقد كانت الحملات توجه إليهم، والدسائس تحاك حولَهُم، والدعاية المغرضة تصدق فيهم، فكانت مواقف الحكام الأسباب الحقيقية المباشرة لانقراض الإباضية من كثير من الأمكنة التي

الظالمين منهم هي

از دهر فيها المذهب الإباضي، وكون بها عمرانا ونشر علما، مثل بلاد الجريد عامة، وقابس والقيروان والحامة، وجبال غمراسن والدويرات وجبال الحوايا وما إلى ذلك جميعا، ولعل من أهم الأسباب التي أثرت عليهم أكثر مما أثرت على غيرهم أنهم كانوا لا يستحلون لأنفسهم أن يعينوا الظالمين ويرتكبوا معهم ما يرتكبون، فلا يدخلون ضمن الجيوش الضاربة، ولا ينضمون إلى الشراذم المخربة، ولا يطالبون بكراسي الحكم لأنفسهم، بل إن الأموال التي تصل إليهم عن هذه الطرق كانوا لا يقبلونها؛ لأنها أموال مغتصبة فهي حرام، وهم يبتعدون عن ذلك ولا يجيزونه لا بالقول ولا بالعمل، هذا ما عزلهم عن غيرهم مِمَّن يستحل دماء المُسلمين وأموالهم؛ عقيدة أو عملا، ووجه إليهم النقد العنيف، ثُمَّ المحاربة العلنية والخفية، وخصهم طلاب السطوة والمال بالكراهية والمطاردة. وقد بدأ هذه الحملة المعز لدين الله الفاطمي، وبالغ فيها المعز لدين الله الفاطمي، وتابعه عليها كثير من الحكام الذين يريدون أن يوطدوا لملكهم بكل ما وجدوا من وسيلة، وإذا كان المعزان يرتكبان ما يرتكبان لتوطيد الملك فيما يزعمان، ولإقامة دولة وتثبيت حكم، فقد يكون لَهُما في ذلك عذر في منطق السياسة والساسة، ولكن الذين جاؤوا من بعد من حكام الإمارات لم يكن القصد مما يرتكبونه في الأغلب إقامة دولة، أو خدمة مبدأ، أو إقرار نظام عادل أو جائر، وَإِنَّمَا كانوا طلاب، مال، يستحلون من أجل الحصول عليه كل شيء، وكثيرا ما يقوم الواحد منهم فيجمع شرذمة من المغامرين الذين لا يفرقون بين حلال وحرام، فيهجمون على أي بلد أو قبيلة أو حي، فيقتلون ويغنمون ثُمَّ يذهبون، وقد انتفخت أوادجهم بالنصر الذي أحرزوه، وجيوبهم بالمال الذي اغتصبوه، وقد يرتكبون من الفواحش ما يتعدى المال