الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٧٢٢

الأباضية في موكب التاريخ

720

الأباضية في تونس

والدم؛ فينتهكون الأعراض، ويستبيحون الحرم، وقد وجدت قبائل أعدت نفسها لهذه الحياة المتوحشة، يتدرب شبابها على القتال بطرق الغارة، والسلب والنجاة، ويتغنى شعراؤهم ببطولتهم في ذلك، وما قام مغامر يريد حربا إلا انضموا إليه، لا حبا في نصرة المغامر، ولا انتقاما من عدو متربص أو مراعاة لحق من حقوق الصداقة أو الجوار، ولكنهم يفعلون ذلك لكي يجدوا فرصة لمزيد من جمع المال من أماكن لا يتيسر لَهُم الوصول إليها دون مساعدة من غيرهم، ويبرون ما يرتكبون من هذه المناكر إما بالخلاف الجنسي، أو الخلاف القبلي، أو الخلاف على الحاكم، أو النزاع على البطولة، وأكثر ما يبررون العدوان بالخلاف المذهبي، في الوقت الذي لا يعنيهم من أمر المذهب أو الجنس أو القبيلة شيء، وَإِنَّمَا يعنيهم الحصول على المزيد من المال، ولقد قاسى الإباضية أشد ألوان العذاب من هذه الألوان جميعا. من المؤسف أن ينحدر إلى هذه الوهدة ناس ينتسبون إلى العلم والمعرفة من بعض الرحالين الذين يرافقون أولئك الحكام، أو بعض المتعصبين الذين يعملون في وظائف حكومة من الحكومات، فكان لهؤلاء جهد كبير من التفرق بين فرق الأمة، وحمل الحكام الجورة على ارتكاب الظلم وتيسيره لَهُم، وتبرير أسبابه، وذلك بإشادتهم بذلك الظلم، وإسباغ لون الشرعية عليه، وتبريره تبريرا دينيا، يخفف وطأة العقيدة، أو الضمير على الظالم، وحمل السذج والبسطاء من الناس على اعتقاد أن ما ينزلونه بغيرهم من الطوائف الإسلامية من عدوان في ظل ذلك الحاكم أمر يتطلبه النظام، ويقره الإسلام ويلقون في روعهم أن أولئك الحكام مهما انحرفوا

يمثلون شريعة الله، وأن أعمالهم كيفما كانت، ومهما كانت مقاصدهم تتماشى مع أمر الله. وفي مسلك الأعمى الفهمي الذي عرضناه في إحدى الصور السابقة إيضاح للانحطاط الديني والخلقي الذي يُمكن أن ينحدر إليه الإنسان، حين تغلب عليه المطامع الشخصية، فيصبح لا يفكر إلا في استرضاء مرؤوسه، فتجرد عن كرامته كرجل مسلم يخضع لمقاييس الحق والعمل التي جاء بها الدين القويم، ويصير أراجوزا خشبيا هزيلا، تدفعه المطامع إلى أسخف ألوان التزلف والملق فهذا رجل أعمى العينين لا يطيق حمل السلام، وهو نحوي فاضل -كما يقول التيجاني- يعني أنه ذو مبلغ من العلم، ويحفظ كتاب الله، فاختاره الخليفة ليربي له أولاده، ويعلمهم كتاب الله وآداب الإسلام، وكان يكفي هذا الأعمى في التقرب والتزلف من الخليفة أن