الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٧٢٣

الأباضية في موكب التاريخ

721

الأباضية في تونس

يظهر له الرضا عما ارتكب من، ظلم وأن يبدي له استبشاره بهذا النصر على طائفة من إخوانه المُسلمين، ولكن الأعمى السخيف كان يعتقد أن هذا لا يكفيه في إظهار مبلغ مسرته، فطلب أن

يقدم إليه رجل يقتله بنفسه، كأنه يتقرب بإراقة الدم البشري الذي صانته كرامة الإسلام، وكانت ظروفه الخاصة تحول دونه ودون أن يطلب منه أن يلوث يديه بالدماء، ولكنه أصر أن ينحدر إلى هذه الوهدة، فقرب إليه الرجل موثق بالحبال، وهنا تبلغ السخافة بالأعمى الفقيه النحوي الفاضل أبلغ ما تبلغ السخافة برجل لا يحترم الدين الذي يسبغه على نفسه، ولا الكتاب الذي يحمله في صدره، ولا حتى البشرية التي ينتسب إليها، فيقف موفق المستهين بأمر الشرع في النهي عن التمثيل بالقتلى، ويصبغ هذه الجريمة النكراء بلون التمثيلية الهزلية؛ فيطلب الملح والصعتر كما يفعل العوام بالضحايا في الأعياد ليضحك الناس، وليرضي سيده.

هكذا

هذا المؤدب الذي اختاره الخليفة لتربية أولاده، وتعليمهم كتاب الله، أجرأ على يصبح مُخالفة أحكام الله، وأبعد من آداب الإسلام في عمل ما كان يطلب منه، ولا تظن فيه القدرة عليه ليجرئ الخليفة على ما يرتكب في عباد الله، ويضفي على أخطائه ثوب الشرعية حتى يرتك أولئك الناس ما يرتكبون من جرائم ومناكر، وكأنما هم يتقدمون إلى الله بأنواع القربة والطاعة. أشد علماء الأمة نقدا لهذا المسلك، ووقوفا في وجوه

كان علماء الإباضية من

الظالمين، وإظهار السخط عن أعمالهم المنحرفة، ولذلك فقد تسلط أولئك الظالمون عليهم، وآذوهم في الله، وقتلوا منهم عددا غير قليل، وكانت نقمتهم عليهم أكثر من نقمتهم على أي

طائفة

من طوائف المُسلمين، فلم يزالوا بهم يوالون عليهم النكبات، ويوجهون إلي الضربات، ويواصلون عليهم الغارات، حتى استأصلوهم من جميع المواطن التي عمروها غير جزيرة جربة التي صمدت للكفاح، وثبتت للظالمين، ولقنت المستعمرين الإفرنج في بعض أدوار التاريخ دروسا، عرفتهم قيمة البطولة الإسلامية عندما يتولى قيادتها الإيمان والحق.