الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٧٢٤الأباضية في موكب التاريخ
722
الأباضية في تونس
كفاح النعصب المذهبي
منذ النصف الثاني للقرن الأول اختلفت آراء بعض علماء المُسلمين في بعض أصول العقائد،
وفي كثير من الفروع، وتكونت بناء على هذا الاختلاف في فهم نصوص الكتاب والسنة فرق وطوائف، تتمسك كل واحدة بما اقتنعت به وحسبته أصح؛ لأنه فيما ترى يستند على البراهين القطعية المعتمدة على أصول الشريعة، وكان الخلاف في مبدأ الأمر علميا فلسفيا، يدور بين طبقة مخصوصة من كبار التابعين ومن جاء من بعدهم ولكن سرعان ما استغلته السياسة من جهة، والأيدي المحاربة للإسلام في خفاء من جهة أخرى، كما استغلته المطامع الشخصية، وعمل على تقويته وإظهاره في مظهر العنف والشدة ما يتحلى به بعض من ينتم
إلى العلم من تعصب مبني على ضيق الأفق، والفهم السطحي، والتحجر الفكري. وتعاونت هذه العوامل جميعا بقصد أو بدون قصد على توسيع الخلاف بين الأمة، وإذكاء نار الفتنة بين طوائفها، وفرقها وتمكنت بعض تلك العوامل أن تستغل هذا الخلاف لأغراضها الخاصة؛ كالهيمنة على الدولة، والتسلط على الحكم، أو الانتقام من بعض الطوائف والأفراد، أو إدخال بدع في الدين بقصد إفساده، إلى غير ذلك من الدواعي والأسباب، وكُلّما امتد الزمن ازداد الناس بعدا عن الدين، وعن فهمه والعمل به، فازدادوا عمقا في الخلاف وإيغالا فيه حتى جاءت أزمنة كان يحسب فيها المتفقهون الجامدون إنزال العقوبة بمن يُخالفهم في المذهب قربة يتقرب بها إلى الله تعالى، وأن سب الفرق المخالفة لهم، وصب اللعنة عليهم من وتشبعت أفكار الغوغاء بمثل هذه الآراء، وكان بعض المنتسبين إلى العلم يتملقون أولئك الغوغاء، ويتقربون إلى الحكام بمبالغتهم في إظهار الكراهية لمخالفيهم، وقد يستحلون منهم ما حرم الله، فكانت ترتكب بسبب ذلك جرائم مؤلمة، ليس لها من سبب سوى التعصب المذهبي. من المواضيع التي تناولها البحث والنقاش في القرن الأول في عصر الدولة الأموية موضوع الدولة الظالمة الجائرة، هل يجب على الأمة إذا تولى أمرها إمام جائر لا يتقيد بأحكام الله أن
طاعة الله،