الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٧٢٥الأباضية في موكب التاريخ
723
الأباضية في تون
تضرب على يده، وتطالبه بالعدل أو العزل؟ وإذا امتنع عليها هل يحق لها الخروج عليه، وقتاله وقتله إذا اقتضى الأمر؟ …
و افترقت آراء العلماء في هذا الموضوع؛ فذهب بعضهم إلى وجوب مطالبته بالعدل، والقيام بأمر الله، والتزام أحكامه، فإذا امتنع جاز عزله أو قتله، وذهب آخرون إلى أن الصبر على ظلم الإمام، وعدم قيامه بأمر الله أهون من الثورة عليه؛ لأن الثورة عليه قد تؤدي إلى فتنة تذهب بالأموال والأرواح. وأصبحت هذه الآراء فيما بعد آراء للمذاهب الإسلامية، كل مذهب يرجح رأيا منها، ويذهب
في تعليله والتدليل عليه بنفس الحرص والقوة التي يدلل بها على غير ذلك من آراء المذهب. وطبيعي أن الحكام وأصحاب السلطة يهمهم أن يعتنق الناس الآراء التي تدعو إلى مسالمتهم، وأن تتغلب هذه النظرة الوديعة على نظرة الثورة والتشدد، ولذلك فقد أيدوا في مبدأ الأمر من يقول بالصبر للسلطان، والرضا بالواقع، وحاربوا بكل عنف وقوة من يحمل الفكرة الثورية، ويدعو إلى عدم قبول الظلم واعتبار الحاكم مكلفا بمهمة، فإن أحسن القيام بها شكره الناس، وأجره على الله، وإن لم يحسن القيام بها طالبوه أن يعتزل أمرهم، ليتولاه من هو أجدر به، وحسابه على الله، وهكذا فرض أصحاب الحكم حمايتهم لبعض المذاهب، وحاولوا أن يغلبوها على غيرها، وأن يعمموها في المواطن الخاصة بحكمهم، وذلك ليس تفضيلا للمذهب نفسه، ولا اعتقادا أن آراءه أصح من آراء غيره، فإن هذا الجانب لم يتوفروا على دراسته وفهمه، ولكنهم يفرضون حمايتهم لبعض هذه المذاهب؛ لأن أكثر علمائها يدعون إلى مهادنة الظلم والصبر عليه، والاعتراف بشرعيته، وهذا ما يهمهم من الموضوع، ومرت فترات من التاريخ على دول حاولت أن تفرض مذاهب خلفائها بالقوة، وكانت تنزل أشد العقوبات يمن يخالف مذهب الدولة، وتضييق الخناق على العلماء المخالفين لها في المذهب وعلى أتباعهم، ليتركوا الآراء التي أخذوا بها، ويعودوا إلى آراء الدولة.
والأمثلة على ذلك في التاريخ الإسلامي كثيرة، اهتم المؤرخون منها اهتماما خاصا ببعض المواقف التي وقفها خلفاء الدولة العباسية لحمل الناس على بعض آراء المعتزلة، وتحدثوا بإسهاب عن المحن التي أصابت بعض أئمة المذاهب بسبب آرائهم المخالفة لآراء الدولة