الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٧٢٦

الأباضية في موكب التاريخ

724

الأباضية في تونس

من

ولعل ما كان يقع في جهات أخرى كان أشد وأقسى، فقد تسلط بعض الخلفاء العباسيين على بعض الأئمة الذين يُخالفونهم في بعض الآراء العقدية، فحبسوا منهم من حبسوا، وضربوا من ضربوا، وعذبوا من عذبوا، وعقدوا لَهُم مَجالس المناظرات، ولكن غيرهم من السلاطين قد تجاوز هذه المواقف كلها في حمل الناس على مذاهبهم، ولقد سبق أن أشرت في بعض الفصول السابقة إلى أحداث ممَّا قام به المعز لدين الله الفاطمي حين أراد أن يحمل الناس جميعا على اعتناق المذهب المالكي الذي اعتنقه هو أخيرا بعد أن كان على مذهب الشيعة، ولكنه رجع إلى الأشاعرة؛ لأن أغلبية السكان الذين كانوا تحت حكمه كانوا أشاعرة، فاعتنق مذهبهم ليضمن ولاءهم، ثُمَّ زاد على ذلك فاشتد في عقاب مخالفيه، وآذاهم في أموالهم وأنفسهم، ولقد تتبع الإباضية في كل مكان وأنزل بهم ما يستطيع من بهم ما يستطيع من الأذى، وضيق عليهم مجال الحياة، حتى هاجر كثير منهم، ولم يقف يقف عند هذا الحد، بل تجاوز ذلك إلى نوع من الطغيان لم يسبق إليه، فقد جمع إليه علماء الإباضية وصلحاؤهم، ثُمَّ أمر بقتلهم، حتى ينشأ الناس غير عارفين بهذا المذهب، فيعتنقون مذهب الملك، وهي خطوة لم يخطها أحد ملوك المُسلمين في تاريخهم الطويل، وسار على منواله في تتبع الإباضية، والتضييق عليهم، وقتل علمائهم لأتفه الأسباب كثير ممن جاء من بعده، يحمل بعضهم على ذلك تعصبه المذهبي، وحماسه له، ويحمل البعض الآخر على ذلك أغراض دنيوية أخرى؛ فيتخذ ذلك وسيلة للانتقام أو لجمع المال، أو حتى للوصول إلى منزلة أو وظيفة، ولم ــــــمر قرن واحد على الإباضية في البلاد التونسية لم توجه إليهم فيها أعنف الضربات، ولم تسل دماء الشهداء من العلماء الأعلام بسبب ذلك التعصب الذي تستغله السياسة، والمطامع والحقد. وقد تجاوزت هذه المضايقة رجال الدولة والقائمين على الحكم إلى أفراد الشعب،، ثُمَّ تجاوزت أفراد الشعب إلى ناس ينتمون إلى العلم اضطر علماء الإباضية إلى الدفاع عن أنفسهم في هذا المجال، بل لقد كان موقف بعض المنتسبين إلى العلم الضيق الأفق في هذا المجال أشد سوء من مواقف غيرهم، وبسبب أحاديثهم في المجالس، وفتاواهم للناس، ومراضاتهم للحكام، كان يقع ما يقع بين فرق المُسلمين؛ من شحناء ونزاع يتعدى في كثير من الأحيان مناحي القول إلى مناحي العمل فينتج عنه استهانة بالحقوق، واستخفاف بالحرم