الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٧٢٧الأباضية في موكب التاريخ
725
الأباضية في تونس
الإنسانية التي حفظتها شريعة الله، وصانتها كلمة التوحيد، ولعل مما يوضح هذا الجانب أن أضع بين يدي القارئ الكريم صورا من الأحداث التي كانت تقع من حين إلى حين، فتؤثر أسوأ الأثر في نفوس الناس، وإلى القارئ الكريم أمثلة ذلك:
من
تخاصم تاجران في طرابلس على قضية من قضايا التجارة، وترافعا إلى القاضي، فطلـ القاضي البينة من المدعي، فأحضر المدعي شاهدين من أهل جربة وقع التعامل أمامهما - وكان الشاهدان من الإباضية، فدفع المدعي عليه هذه البينة بأنه لا يقبل شهادة الإباضية دون مطعن في الرجلين واستمع القاضي إلى هذا الدفع، وقبله ورد شهادة الشاهدين لا لشيء إلا لأنهما على المذهب الإباضي، ورفعت القضية إلى المفتي فصدق على حكم القاضي، وكان حينئذ جماعة من تجار جربة في طرابلس، فساءهم هذا الموقف من القاضي والمفتي فاحتجوا على ذلك احتجاجا شديدا، ووقعت بسبب ذلك ضجة كبرى من والمشاحنات، حتى بلغت والي طرابلس، وكان حينئذ علي باشا عسكر فاهتم للموضوع، وعقد اجتماعا دعا إليه جمعا من كبار العلماء، ودرسوا موضوع الشهادة والأسباب التي ترد بها، واتفق العلماء الحاضرون في المجلس على أن فضيلة القاضي كان مخطئا في حكمه، وأن سماحة المفتي سايره على أخطائه.
الخصومات
أبدى كل من القاضي والمفتي في أول الأمر استمساكهما برأيهما، وحاولا أن يُصرا على
ذلك، لكن موقف العلماء الصلب إلى جانب الحق أجبرهما على الانصياع والرجوع. ووقع موقف آخر شبيه بهذا الموقف في تونس في ولاية حسين باي، فقد طعن بعض الناس في شهادة علماء جربة، وردها بعض القضاة في الحكم لا لشيء إلا لأن أصحابها على المذهب الإباضي، ووقعت بسبب ذلك ضجة عظيمة، ورفع أهالي جربة شكاية إلى والي تونس، وإلى علمائها وقضاتها يطلبون منهم التحقيق والإنصاف، ولقد اهتم الوالي والقضاة والعلماء بالموضوع، وعقدوا لأجل ذلك مجمعا علميا، أصدر في ذلك قرارا، وإلى القارئ الكريم نص القرار: " الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على صفيه، وصحبه، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما، سبب تحبير حروفها، وتسطير صفوفها هو أنه بمجلس الشرع الشريف، ومحفل الدين