الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٧٤

ـاضية في موكب التاريخ

72

نشأة المذهب الإباضر

وليس من الْحَقِّ أبدا أن نتغاضى عن أولئك الذين يرتكبون المعاصي، ونضعهم في صف واحد مع المؤمنين الموفين، بل يجب أن نزجر العاصي عن معصيته وأن نعالنه بالعداوة ما دام منحرفًا عن سبيل الله، وأن لا نساوي في المعاملة بينه وبين الموفي، وأن لا نعطيه من المحبة وطلب المغفرة وحسن التعامل ما نعطيه للذي يراقب في الخفاء والعلانية، ويرجع إليه في كل كبيرة وصغيرة، ويقف عند حدوده التي رسمها لا يتخطاها، وليجدوا فيكم هو

الله

غلظة ()، ولا تجد قوما يُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَاذَ اللَّهُ وَرَسُولَهُ).

أن أختم هذا الفصل بهذه السطور الرائعة من كلام الأستاذ مُحَمَّد الغزالي (3): ويسرني "هل الدين إلا الحب والبغض؟! .. إن الدين هو هذه العاطفة المشبوبة بمحبة الخير وأصحابه، وكراهة الشر وأحزابه هو هذه العاطفة الدافقة المنسابة كالفيضان الموار، لا تجد مستقرها إلا حيث تبلغ أهدافها، لا يهمها أن تغمز سفحا، أو تطوق قمة .. إن الدين هو هذه العاطفة الحرة اليسيرة .. اشمئزاز من مسالك الفسقة يقبض يدك عن مصافحتهم، ويجعل حمرة الغضب تصبغ وجهك لجرأتهم على رَبِّهم .. فَإن استطعت أن تخسف الأرض من تحتهم، أو تقيم الدنيا وتقعدها حولهم .. وإلا فإن أقعدك العجز سكنت سكون المقهور على ما يلسعه من عار، لا سكون البليد على ما وصل إليه من قرار". الأستاذ الغزالى في هذه السطور القليلة قاعدة الولاية والبراءة التي سار عليها

لقد شرح

الإباضية منذ فجر التاريخ.

والإباضية لا يُخرجون العصاة من الملة، ولا يحكمون عليهم بالشرك، ولكن يوجبون البراءة منهم وبغضهم وإعلان ذلك لهم حَتَّى يقلعوا عن معصيتهم ويتوبوا إلى ربهم.

000

1) سورة التوبة: 123.

(2) سورة المجادلة: 22.

(3) مُحَمَّد الغزالي: في موكب الدعوة (ط 2)، ص 85.