الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٧٣٤الأباضية في موكب التاريخ
732
الأباضية في تونس
دابرهم، وخضد أصاغر هم وأكابرهم"، أو يسمع هذه السلسلة من المفتريات التي تفتق عنها خيال أبي عبد الله التيجاني، وهو الأديب الفقيه المؤرخ .. إن أولئك العوام قد يعذرون فيما يرتكبون، أما الحكام الذين يهمهم أن يجدوا وسائل للعقوبة، أو لابتزاز الأموال، فإن أمثال هذه الأحاديث تكون سندا لَهُم، وحجة يعتمدون عليها، وهم وإن كانوا يعرفون أنها مبنية على كذب أو حنق أو جهل أو غير ذلك من الأسباب، إلا أنهم يستغلونها في بعض المواقف التي يحتاجون فيها إلى مثل هذه الدعاية على الأقل حتى يطمئن بعض التابعين لَهُم أنهم لم يرتكبوا محرما فيما ينزلونه بالناس من المصائب.
ولعل من الأشياء التي أضرت بالإباضية أنهم كانوا يتنزهون كثيرا عن الشبهات، ويحاولون جهدهم أن يبتعدوا عن الحرام وأسبابه، ولما كان أكثر ولاة الحكم لا يراعون أحكام الإسلام في نظام الحكم، وجباية الأموال، فقد كان الإباضية يبتعدون عنهم فلا
ولا
يعينونهم، ولا يستعينون بهم، ولا يتطلعون إلى الدخول في وظائف حكوماتهم، يسعون إلى الحصول على المناصب فيها، وإنَّمَا كانوا يُحاولون أن يعيشوا في مجتمع نظيف، بعيد عن مظاهر الحكم، قائم بدين الله، حريص حريص على أن يتولى شؤونه الدينية بنفسه،
لا يبالي ما تراه فيه الغير، وكان الإباضية في البلاد التونسية بالذات قد يخضعون للدول المتعاقبة، أو للحكام المختلفين على منصب الحكم، ويدفعون لها أو لَهُم ما يتقرر من
ضرائب، وتكاد تقف علاقاتهم بالحكومة والحكام في هذا الحد لو تركوا وشأنهم. ولكن أولئك الذين يصطادون في الماء العكر؛ إما لعصبية طاغية على نفوسهم، أو مطامع تمليها عليهم شهواتهم وإما لتزلف وتقرب وملق إلى الحكام التماسا للحصول على مرتبة أو منصب، وإما إظهارا لحماية الدين والذود عنه استجلابا لمحبة العامة واحترامهم، هؤلاء الذين يصطادون في الماء العكر لا يلبثون أن يحرضوا ثائرا من الثوار، أو شيخا من شيوخ القبائل الضاربة على شواطئ الجزيرة تحترف الغارة والسلب أو أميرا لا تزال خزائنه في حاجة إلى مزيد من المال، أو حاكم يعتقد أنه أعظم من أن يبقى أحد دون أن يدخل تحت جناحه في رغبة وشوق، فيوحي إليه أولئك المتملقون بأن أولئك الإباضية مخالفون في