الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٧٣٥

الأباضية في موكب التاريخ

733

الأباضية في تونس

المذهب، وإنهم غير معترفين بالحكم، وإنهم يستكبرون في أنفسهم فلا يعودون بمشاكلهم إلى الدولة، ولا يرجعون إليها في شؤونهم الخاصة، وهكذا تتجرد غارة أو حملة على موطن من مواطن الإباضية؛ فتذهب أرواح وتستباح أموال، ولم تزل هذه المواقف متكررة في أغلب البلاد التونسية، فكان الناس في بلاء متواصل ممَّا اضطرهم إما إلى الهجرة، وإما إلى تغيير مذاهبهم، حتى انقرض المذهب الإباضي من بلاد الجريد كلها، ومن جبال دمر وما يتصل به، ومن القيروان وقابس والحامة وغيرها، ولم يبق في غير جزيرة جربة، على أن سكان جربة قد عانوا من التعصب المذهبي أشد ما تعانيه أمة، وقتل في سبيل ذلك من أبنائها علماء أعلام وعذبت طائفة، ومثل بآخرين، ولم يكن يخفف عليها إلا حينما ترتفع المشاكل إلى تونس ويحضرها علماء الشريعة المحققون؛ الذين يرتفعون بفهمهم عن مستوى العصبيات، والترضيات وقد سبقت أثناء هذا الكتاب إشارات إلى ذلك. كان موقف الإباضية منذ تأسس نظام العزابة هو موقف الدفاع في أضيق مجال، مهما كان العدوان الذي يسلط عليهم، وكانوا يبتعدون بعدا كاملا عن الاشتراك في والنزاع عليه، وكان العلماء منهم يكبحون جماح العوام أن يخطئوا، فيرتكبوا في غيرهم ما يرتكبه الغير فيهم.

الله

لكتاب

عندما يكون العدوان عليهم بالسلاح يقتصرون على دفع الأذى على أنفسهم، ورد العدوان عنهم إن استطاعوا، دون أن ينتقموا أو يقوموا بالمثل حتى عندما تتحقق لهم الغلبة، أما عندما يكون العدوان بالطعن في العقيدة، أو في آراء المذهب، فيقتصر علماؤهم غالبا على بيان براهينهم وحجتهم التي اعتمدوا عليها والأصول التي استندوا إليها في القول الذي اختاروه، إلا إذا كان المنتقد لَهُم قد بلغ به التنطع واللجاج إلى الحد الذي أصبح يتحدى القوم بذلك، فإنهم حينئذ يتجهون إليه بالرد، على سبيل من سبل المناظرة المعروفة في تلك العصور، ملتزمين ما أمكن آداب المناظرة.

ويبدو من بعض الأحداث التي حفظها التاريخ أن علماء الإباضية قد بدأوا منذ القرن الحادي عشر يتخلون عن موقفهم في الدفاع /

والبعد عن رجال الحكم، إلى دفاع