الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٧٣٧

الأباضية في موكب التاريخ

735

الأباضية في تونس

ويتجلى هذا الاتجاه في المواقف الكثيرة التي وقفها العلامة أبو عبد الله محمد المصعبي، وفي المواقف المتتابعة التي وقفها الإمام العلامة أبو يعقوب يوسف المصعبي؛ فقد أوتي الرجل من غزارة العلم، وصحة الإدراك، وقوة الإرادة والشجاعة ما جعله لا يخشى حاكما، ولا يتوقف عن رد عدوان عملي أو قولي، فكان لا يفتأ ينتقل بين طرابلس وتونس والجزائر، ويناقش قضاتها وحكامها، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، فما تصدر من أحد طعنة، أو وشاية في الإباضية حتى يتحرك أبو يعقوب للتحقيق عنها، وردها أو الرد عليها، وإبطال مفعولها، وفي إمكان القارئ الكريم أن يراجع ترجمته المختصرة بقلم شيخ الصحافيين في الجزائر الشيخ أبي اليقظان - متعنا الله بحياته ومد في عمره المبارك - هذه الظاهرة ظاهرة الالتجاء إلى الحكومة في دفع العدوان بدأت بوادرها حسبما وصلت إليه في أبحاثي التاريخية عن الإباضية في تونس مع القرن الحادي عشر، واستمر الالتجاء إلى الحكومة كوسيلة من وسائل الدفاع يلتجئ إليها الناس ليردوا عنهم ما يلحقهم من الأذى، وبمعرفة الناس لوسائل الاتصال بالحكومة، أو الاستفادة منها وطرق مخاطبتها، زادوا خطوة أخرى خطوة إعطاء الحقوق، أو إثبات الحقوق، فبدأ الناس أول الأمر على احتراس- يلتجئون

هي

كما

إلى الحكومة لإثبات حقوق لَهُم ثُمَّ تعودوا ذلك، فأصبحت الأمور تجري عادية منهم تجري من غيرهم، وأصبحت الدولة ودواوينها هي مرجع الناس في دفع الظلم، وفي نيل الحقوق، يفعلون ذلك كما يفعله غيرهم، وقد كان لهذا الاتجاه الجديد آثار واضحة على

الناحيتين الدينية والخلقية عند الإباضية، رُبَّمَا تحدثنا عنها في فصل من فصول هذا الكتاب. ويجدر بنا ونحن نستعرض التعصب المذهبي أن نشير إلى أن التاريخ قد حفظ لنا صورا من ذلك النقاش الذي آثاره التعصب، ومن الإنصاف أن نقول أن أغلب ما وجه إلى الإباضية من طعون ونقود يدل بمبناه أو معناه على سطحية قائليه وعامية تفكيرهم، أو على سوء قصد من بعضهم، كما أنه مما يدل على تغلب الروح الإسلامية المؤمنة، ومحبة الإنصاف والعدل والانتصار للحق ما قامت به بعض الجمعيات العلمية في تونس في بعض المواقف، فقد عقد علماء القيروان اجتماعا في القرن الرابع الهجري قرروا فيه وجوب مناصرة