الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٧٤٥الأباضية في موكب التاريخ
743
الأباضية في تونس
الحرب، وإذا سمحوا لَهُم بالقتال دفاعا عن النفس والأهل والمال فهم لا يسمحون لَهُ أبدا بالاستيلاء على أموال الموحدين بطريق الغنيمة.
إن الأسباب التي جعلت أهل جربة أقوياء أشداء على محاربة الإفرنج، وجعلتهم لينين ضعافا في مقاتلة المعتدين من المُسلمين إنَّما هي وقدة الإيمان في قلوبهم، وحرارة التقوى التي تغل أيديهم، والاستمساك المتين بالدين وأحكامه في معاملاتهم.
إنهم وهم يحاربون الإفرنج يشعرون بأنهم يقومون بأقدس واجب عند الله واجب الجهاد، وهم يعلمون أن من يقتل منهم في تلك المعارك فقد قتل في سبيل الله وفاز بالشهادة، وأن ما يحصلونه من مال إنَّما هو غنيمة قد أحلها لَهُم الدين الكريم، الذي أمرهم بالجهاد في سبيل الله: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ().
(1) 19
هذه المعاني كانت تملأ قلوبهم فتجعل منهم أبطالا تفل عزائمهم الحديد، وتطفئ إرادتهم النار، وتقهر خناجرهم البسيطة ما أعد العدو من مدافع وبنادق ومحرقات أما عندما يهاجمهم قوم يعلنون الإسلام، وينتسبون إلى أمة محمد عليه الصلاة والسلام، فإن تلك المعاني تنطفئ من أنفسهم، وتلك الحرارة تبرد من قلوبهم؛ لأنهم يحملون سيوفهم ضد إخوة لَهم، ولو كان أولئك الإخوة بغاة، والمقتول من الفريقين خسارة للأمة المسلمة التي يتكالب عليها العدو، وليس أحد يقدر هذه
الخسارة مثلما يقدرونها هم، ثُمَّ إن الدين الذي يدينون به ويتقيدون بأحكامه لا يحل لَهُم حتى وه في حالة الدفاع أن يتجاوزوا حدود الدفاع إلى الانتقام أو العقوبة، فلا يحل لهم أن يتبعوا مدبرا، ولا أن يجهزوا على جريح، ولا أن يغنموا مالا، بل إن دفاعهم يجب أن يكون مقصورا في أضيق نطاق لرد العدوان، وكان كل واحد منهم يتمنى أن لا تسيل الدماء على يده، وكان العلماء لا يفتون يأمرون الناس بمراعاة أحكام الإسلام في محاربة البغاة من المُسلمين، وهذه المعاني هي التي تجعل الناس لا يقبلون على الحرب في هذه الأحوال، وإذا اضطروا للوقوف في هذه المعارك فإنما يقفون بفتور ووهن، وكثير منهم يتمنى أن يكون عبد الله المقتول، لا عبد الله القاتل؛ لأنهم يحسبون أن النصر والهزيمة سواء في هذه الحروب التي تجري بين الإخوة، فهي كلها خسارة.
(1) سورة الأنفال: 69.