الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٧٤٦الأباضية في موكب التاريخ
744
الأباضية في تونس
و في أكثر المعارك التي وقعت بين أهالي جربة وإخوان من المُسلمين كان الجربيون يلاحظون هذه المعاني الإسلامية في مواقفهم، وكان المعتدون عليهم في أغلب الأحيان لا يلاحظون شيئا منها، ولذلك فقد كانت هذه الحروب بين الإخوة من المُسلمين ذات آثار سيئة جدا، وكانت خسائر جربة فيها عظيمة وما شنت عليهم حرب من تلك الحروب إلا ذهب ضحيتها عدد كبير من الأنفس أكثرها من الأطفال الأبرياء، والنساء الضعيفات والشيوخ العجزة، وبالرجوع إلى أحداث التاريخ التي سردنا بعضها في فصول سابقة من هذا الكتاب أو الرجوع إلى المصادر العامة والخاصة للتاريخ في هذه البلاد، يتبين للقارئ الكريم هذه الحقيقة، ويكفي لإيضاح هذه الصورة أن أشير إلى إحدى الوقائع مما سردنا تفاصيله في هذا الكتاب فإن حربا واحدة من تلك الحروب التي شنها درغوث على جربة ليجعلها تابعة لحكمه في طرابلس كلفت الجزيرة ألفا ومائتين من القتلى، وقد تلقت فيه جربة فيما بعد ضربات متلاحقات حطمت قوة أبنائها، وفلت سيوفهم، وذهبت بخيرة شبابهم، فلما رجع الإفرنج من جديد، وكان درغوث قد شغل بأمور الحكم في طرابلس، لم تجد جربة القوة التي تضرب بها العدو، ولكنها وجدت في قلوبها عزة الإسلام التي لا تستسلم للكافرين، فتحركت الهمم، ووقفوا تجاه العدو، فلم يُمكنوه من احتلال جزيرتهم، ولكنه لما أطال الحصار لم ينجدهم أحد، وخافوا أن تتغلب عليهم القوة صالحوا الإفرنج على أن يسلموا لَهُم القشتيل دون أن يتجاوزوه إلى شيء غيره، وفي نفس الوقت بعثوا إلى دار الخلافة في تركيا يطلبون النجدة لحماية الجزيرة من بقاء المشركين بها، وجاءت النجدة من دار الخلافة، وتعاونت القوتان: قوة السكان وقوة الدولة على طرد العدو الطرد النهائي، وبقيت العزة الإسلامية تملأ قلوب أهل الجزيرة، فلما جاءت فرنسا من بعد لتنفيذ الفكرة الاستعمارية الصليبية كانت الجزيرة من أول المواطن التي قامت في وجه الاستعمار الجديد، ودافعته دفاع الأبطال، ولعل مما
يناسب المقام في آخر هذا الفصل أن أنقل كلمة للأستاذ محمد المرزوقي في هذا الموضوع. قال المرزوقي في تعاليقه على كتاب "مؤنس الأحبة" ما يأتي: "جربة تقاوم الحماية: لم يكد يعلن عن انتصاب الحماية الفرنسية على تونس في 12 ماي،1881 م، حتى هبت جربة للمقاومة المسلحة معززة جانب المقاومين في الجنوب والوسط والشمال واستسلمت السلطة المحلية