الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٧٤٨

الأباضية في موكب التاريخ

746

الأباضية في تونس

العدوان، ونتج عن ذلك أن فقدت الأمة خلافتها الإسلامية، ووحدتها الدينية، وحريتها الوطنية، وحديثنا عن جربة في هذا العهد قد يعطي صورة كاملة أو ناقصة، أو حتى من بعض الجوانب لبقية البلاد الإسلامية، سيما التي وهبتها عناية الله أسبابا للغنى والثروة.

في هذا العهد الذي يمتدّ ما بين سنة 960 هـ إلى سنة 1298 هـ، خضعت جربة لولاة الدولة العثمانية خضوعا كاملا، سواء كان أولئك الولاة في طرابلس أو في تونس.

ولقد مر هذا العهد على جربة من أشد العهود التاريخية، وذاق فيه السكان من أنواع البلايا ما تعجز عن تحمله الجبال الرواسي، وكثيرا ما يجتمع عليهم ظلم الولاة والفتن القائمة بينهم على الحكم، وتوالي فرض الغرامات الباهظة والمطالبة بالضرائب المتوالية ووقوع الغلاء والقحط، وإلى القارئ الكريم أسوق أمثلة مما ذكره المؤرخون: قول أبو الربيع الحيلاتي: في سنة 1895 اجتمع بالجزيرة قلة العافية والغلاء والكساء والجدب، ومنع علي بن مراد باي على أهل الجزيرة ميرة القمح والشعير، وَإِنَّمَا أكلت الناس الفيتورة (1)، فتمادى الحال كذلك من أول السنة وفي النصف من جمادى الأولى اتصل الخبر إلى أهل الجزيرة أن ديوان تونس وأمراءها تعصبوا على بن مراد فغلبوه، وطردوه من الوطن، وجيشه حينئذ على ما قيل أربعة عشر ألفاء ووقفوا أخاه محمد بن مراد أميرا على

إفريقيا بأمر السلطان نصره الله، وتمادى على منع القمح والشعير على أهل الجزيرة. "وفي سنة 1099 هـ ألقى الشيخ عبد الرحمن على الوهبية ألفي مطر (2) زيتا، وأعطاه للنصارى مما تداينه منهم، وأعطاه بتونس حتى ولوه الأمر، ثُمَّ ألقى عليهم غرامة (خطية عظيمة)

مع قلة الأمطار، وغلاء الأسعار، وكثرة الكساد، ثُمَّ ألقى عليهم أيضا غرامة أخرى (3). إن القارئ الكريم عندما يقرأ هذه الفقرة ممَّا كتبه مؤرخ شهد الأحداث بنفسه يتصور ما يقاسمه الناس من تسلط الحاكمين، فإن المنطق يقضي بأن الدولة الحاكمة إذا رأت في بلد

(1) الفيتورة: بقايا الزيتون بعد أن يعصر ويستخرج منه زيته.

(2) المطر كما يقول الشيخ أبو الربيع واحد وستون رطلا. (المراجع)

الحيلاتي: علماء حربة، ص 27.