الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٧٥٠الأباضية في موكب التاريخ
748
الأباضية في تونس
والمتتبع لتاريخ جربة في هذا العهد يجد كثيرا من هذه الصور المؤلمة التي تجتمع فيها ظروف الحياة القاسية مع مظاهر الحكم الظالمة، فهي تمتاز بالنزاع المتواصل بين
الحكام المحليين الذين كانوا يشترون مناصب الحكم بالأموال التي يدفعونها إلى الدولة المركزية في تونس، ثُمَّ يفرضون تلك الأموال بصورة غرامات وعقوبات على الناس، فيجمعونها منهم، ويرتكبون في ذلك أشد أنواع الإرهاق والظلم، ولا يكفيهم هذا، بل يضيفون إلى ذلك فرض ضرائب سنوية على كل شيء، حتى على الرؤوس من بني آدم، وقد أدى هذا المسلك من الحكام إلى نتيجتين:
الأولى: سخط الناس على من يتولى الحكم، وتمنيهم زوال أيامه، والعمل على
تغييره واستبداله.
- الثانية: طمع الناس في شراء المنصب، وقيامهم بالمطالبة بالحكم للحصول على الثروة من هذه الطريق، وأغلب ما يكون ذلك من بعض أفراد العائلة الحاكمة نفسها، ويؤدي ذلك إلى انقسام الأسرة الحاكمة إلى قسمين متحاربين، ينضم إلى كل قسم منها طائفة من الناس يناصرونه ويشدون أزره، على أمل أن يكون من الفريق الغالب، وأقل ما يستفيده أولئك المناصرين إذا انتصر أصحابهم أن يعفو من الغرامات والضرائب التي يلقيها الغالب منهما على المغلوب وأتباعه، وعندما تقع المعركة بين الفريقين وينهزم المعركة بين الفريقين وينهزم أحدهما، لا يقف الأمر عند هذا الحد، وَإِنَّمَا يخرج المغلوب منتصرا ببعض الولاة في طرابلس أو تونس، فيتعهد لَهُم بدفع مبالغ من المال إذا هم نصروه، وأوصلوه إلى الحكم، فإن لم يهتم به أولئك الولاة، ولم يستمعوا إلى مطالبه ووعوده، فإنه سرعان ما يكون جيشا من المرتزقة الذين هم على استعداد للمغامرات والحروب لقاء ما يحصلون عليه من الأسلاب والغنائم في البلدان التي يدخلونها، وهكذا يتكون جيش يقوده رجل ليس بين عينيه إلا الحصول على المنصب وجمع المال، أما أفراده فلا يهمهم من موضوع الغارة إلا ما يسلبونه من الناس، ويدخل الجيش الجزيرة، ويرتكب ما يرتكب إذا أتيح له أن ينتصر، أما إذا لم يتح له فإنه يرجع ليعمل من جديد على حشد مزيد من المرتزقة الطامعين، وإلى القارئ الكريم صورا مؤلمة مما ذكره المؤرخون لهذا العهد: