الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٧٥٣الأباضية في موكب التاريخ
751
الأباضية في تونس
الأخلاق الإسلامية، ذلك السيف هو الحكم بالبراءة على من يخالف أحكام الإسلام، ويبتعد بارتكاب المعصية عن الأمة المسلمة، وسيرة المؤمنين الصالحين.
الأمة
ولم يكن هذا فحسب، بل إن السلطة الحاكمة سواء كانت منبعثة من الدولة المركزية، أو من المشيخة المحلية على طريق أغلب وأحكم، أو أدفع وأحكم قد استبدت بالعلماء وضغطت عليهم، وتعقبتهم وحالت دونهم ودون القيام بمهام العلم والتعليم، وألزمتهم الانعزال والبعد عن قيادة الجماهير، فصمتت ألسنة الإرشاد والتوجيه، وخفت من المجتمع صوت الإنكار على الرذيلة بمختلف أشكالها، حتى رذيلة الاختلاف بين عناصر الواحدة، التي أصبحت تعبث بها أهواء الحاكمين، وضعف الإحساس الديني في مراقبة الحلال والحرام، والهروب من الريبة، والشبهة وخيل لبعض الناس أن الالتفاف بالدولة، والارتزاق منها هو خير السبل وأضمنها للمعيشة فناصر بعضهم بعض الحكام، على أن أغلبية الناس كانوا يقفون موقف المتردد الشاك الذي لم يتضح له السبيل السوي. ولم يطل هذا الموقف بالناس، فقد تكشف لَهُم بعد زمن قصير أن ما كانوا يظنونه دولة، ويسبغون عليه حرمة الأمر الحكومي، وأنه يتولى الحكم عليهم بأمانة الله، إن هي إلا رغبات شخصية، ومطامع فردية أوصل بعض الناس إليها مهارتهم في نصب الحيل، وبراعتهم في تدبير المكائد، وخبرتهم بكيفية تقديم الرشاوي، وحرصهم على الاستغلال، وإن أولئك الناس الذين وصلوا إلى الحكم وأصبحوا يجلسون على كراسي الدولة، ويتكلمون باسمها إنَّما يعملون لأنفسهم، وإن غيرهم مِمَّن ينصرهم إنما ينال منهم بمقدار ما يؤدي من خدمات لهم، لا للدين ولا للأمة ولا للوطن، فأصيب أولئك الذين التحقوا بهم، والذين ترددوا في الالتحاق بصدمة جديدة، وعملت اليد الحاكمة على تفريق كلمة الناس وتوسيع شقة الخلاف، وتسليط بعضهم على بعض، فنتج عن ذلك زيادة في ألوان التعصب المذهبي والجنسي والقبلي، وغير ذلك من ألوان العصبية، ووجد أهل جربة أنفسهم محاصرين من عدة جهات، فرجعوا إلى الانعزالية التي عرفوا بها في الماضي، واعتمدوا على أنفسهم في الكسب والحصول على الثروة والمال، وبعدوا عن التعلق بأعمال الدولة إلى الأشغال الحر المتواصل، الذي لا يفتر ولا يمل،